
و۔ش۔ع
الدار البيضاء -هند بومديان
بيننا وبين الأمكنة التي سكنتنا يومًا مسافة لا تُقاس بالخطى، بل بما تراكم في الروح من وجعٍ صامت. خيطٌ خفيّ يشدّنا إليها كلما توهّمنا النجاة، حنينٌ لا يترك لنا شرف الرحيل، وفراغٌ يعاقبنا كلما ظننّا أنّ الاقتراب سيمنحنا الطمأنينة. فنمشي معلّقين بين شدٍّ وجذب، لا نحن قادرون على الانفصال، ولا نحن نملك شجاعة البقاء.
تتكاثف الذكريات في القلب كأطلالٍ داخلية، أوراق يابسة لا تحسن الاحتراق ولا تعرف السقوط، تظلّ شاهدة على زمنٍ مرّ ولم يرحل. نلمس الماضي بأطراف مرتجفة، لا بحثًا عنه كما كان، بل محاولة يائسة لترميم فراغٍ أحدثه الغياب في وعينا، كأنّ لحظة واحدة قادرة على إنقاذ العمر كلّه من التبعثر.
نخطئ حين نعتقد أنّ الأمكنة تغيّرت، والحقيقة أنّنا نحن من انزلق خارجها دون أن نشعر. الزمن لا يخون ذاكرته، ولا يعيد ما سُلِب منه، بل يمضي محايدًا، يراقب تحوّلنا البطيء إلى غرباء في بيوت كانت تعرف أسماءنا، وفي زوايا كانت تحفظ أنفاسنا. فالغربة الحقيقية ليست أن نغادر المكان، بل أن نعود إليه ولا نجد أنفسنا فيه.
وهكذا نظلّ معلّقين في منتصف الشعور، نحمل مفاتيح أبواب لم تعد تفتح، وخرائط لأمكنة لم تعد تسكننا، ندرك متأخرين أنّ ما فقدناه لم يكن المكان… بل النسخة القديمة منّا التي كانت تنتمي دون سؤال.
#محبات
#هنود


Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *