
و.ش.ع القاهرة ۔ حسين السمنودي
الاحد 03 مايو 2026
في الصالحية الجديدة، لم تكن الفاجعة التي هزّت القلوب مجرد خبر عابر يُقرأ في لحظات وينتهي، بل كانت صدمة إنسانية عميقة، تركت أثرًا ثقيلًا في نفوس كل من سمع بها، وفتحت جرحًا واسعًا في ضمير مجتمعٍ بأكمله. طفل صغير خرج من منزله كما يفعل كل يوم، لا يحمل إلا براءته وأحلامه البسيطة، لم يكن يعلم أن خطواته تلك ستكون الأخيرة، وأن الشارع الذي اعتاد اللعب فيه سيغدو مكانًا يفقد فيه حياته. لم يكن يدرك أن الخطر الذي يترصده لم يكن حادثًا عارضًا، بل نتيجة واقع مؤلم يتفاقم يومًا بعد يوم.
الوجع هنا لا يتوقف عند فقدان روح بريئة، بل يمتد إلى الطريقة القاسية التي انتهت بها حياته، وإلى الشعور بالعجز الذي تسلل إلى قلوب الناس، وإلى ذلك السؤال الذي يتكرر بإلحاح: كيف أصبح هذا ممكنًا؟ كيف وصلت الأمور إلى حد أن يخاف الأب على ابنه من مجرد السير في الشارع؟ وكيف تحولت بيئة يفترض أن تكون آمنة إلى مصدر تهديد دائم؟
لقد باتت ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في الشوارع أمرًا واضحًا لا يمكن إنكاره، ولم تعد مجرد مشكلة عابرة يمكن تجاهلها أو تأجيلها، بل تحولت إلى خطر حقيقي يهدد سلامة المواطنين، خاصة الأطفال الذين لا يدركون طبيعة هذا الخطر. في كل شارع، وفي كل زاوية، تزداد أعدادها بصورة لافتة، تتحرك في جماعات، تفرض وجودها، وتزرع الخوف في نفوس المارة. لم يعد الأمر مقتصرًا على النباح أو المطاردة، بل تجاوز ذلك ليصل إلى حوادث مأساوية تهز القلوب وتستدعي وقفة حقيقية.
الأمهات في هذه المدينة لم يعدن ينمن مطمئنات، والقلق صار رفيقًا دائمًا لهن، يراقبن أبناءهن في كل حركة، يخشين عليهم من الخروج، من اللعب، من أبسط تفاصيل الحياة اليومية. والآباء باتوا يعيشون حالة من التوتر المستمر، يحملون همّ العودة قبل الذهاب، ويشعرون أن أبناءهم معرضون لخطر لا ذنب لهم فيه. لم يعد الأمان شعورًا طبيعيًا، بل صار مطلبًا ملحًا.
إن ما حدث ليس مجرد مأساة فردية، بل هو مؤشر خطير على خلل يحتاج إلى معالجة فورية. التأخر في التعامل مع هذه المشكلة لم يعد مقبولًا، لأن نتائجه أصبحت واضحة ومؤلمة. إن أرواح الناس ليست أرقامًا، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الانتظار أو التجربة. كل لحظة تمر دون تدخل حقيقي تزيد من احتمالية تكرار الكارثة.
ومن هنا، فإن نداء أهالي الصالحية الجديدة يعلو اليوم بكل صدق، ليس طلبًا للرفاهية، بل استغاثة حقيقية تنبع من خوف مشروع على الأرواح. إنهم لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بحق أساسي، وهو أن يعيشوا في أمان داخل مدينتهم، وأن يتمكن أطفالهم من اللعب دون خوف، وأن تسير الحياة بشكل طبيعي دون تهديد دائم.
إننا نوجّه من خلال هذه الكلمات مناشدة عاجلة إلى رئيس جهاز مدينة الصالحية الجديدة، وإلى كل مسؤول تقع على عاتقه حماية المواطنين، بأن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل، وأن هذه القضية تستدعي تحركًا فوريًا وحاسمًا. المطلوب ليس حلولًا مؤقتة، بل خطة واضحة وشاملة للتعامل مع انتشار الكلاب الضالة، تشمل حملات منظمة، وتعاونًا مع الجهات المختصة، ومتابعة مستمرة تضمن عدم تكرار هذه المأساة.
إن التحرك السريع اليوم قد ينقذ حياة إنسان غدًا، وقد يعيد الطمأنينة إلى قلوب أنهكها الخوف. أما التردد، فلن يؤدي إلا إلى المزيد من الألم، وربما إلى فقدان أرواح جديدة لا ذنب لها. المسؤولية اليوم ليست خيارًا، بل واجب، والتاريخ لا ينسى اللحظات التي كان فيها القرار قادرًا على إنقاذ حياة.
لقد رحل ذلك الطفل، لكنه لم يرحل بصمت، بل ترك خلفه صرخة مدوية، صرخة لا يجب أن تُهمل، ولا يجوز أن تُنسى. صرخة تقول إن الإهمال قد يصل إلى حد القتل، وإن التأخر في اتخاذ القرار قد يكون ثمنه حياة بريئة. هذه الصرخة هي أمانة في أعناق الجميع، وهي اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على حماية الإنسان، وعلى تحويل الألم إلى فعل، والخوف إلى أمان.
إن المدن لا تُقاس بما فيها من مبانٍ، بل بما توفره من حياة كريمة وآمنة لأهلها، وإذا فقد الطفل شعوره بالأمان، فقدت المدينة جوهرها الحقيقي. واليوم، تقف الصالحية الجديدة أمام لحظة فارقة، إما أن تتحول هذه المأساة إلى نقطة بداية لحل جذري يعيد الأمان، أو تبقى جرحًا مفتوحًا يهدد بالمزيد.
أنقذوا الأطفال قبل أن تتحول القصص إلى أرقام، وأنقذوا الشوارع قبل أن تصبح أماكن يخشاها الناس، وأنقذوا ما تبقى من شعور المواطنين بالطمأنينة. فالحياة لا تنتظر، والخطر لا يتوقف، والواجب يفرض نفسه الآن قبل الغد.
رحم الله الطفل، وجعل رحيله سببًا في صحوة حقيقية تنقذ غيره، وتعيد إلى هذه المدينة حقها في الأمان، فالأوطان لا تُحفظ إلا حين يكون الإنسان فيها هو الأولوية الأولى، وحين تتحول المسؤولية من كلمات تُقال إلى أفعال تُنفذ، ومن وعود تُكتب إلى واقع يُرى ويُلمس.

Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *