
و.ش.ع القاهرة - رادا الجوهري
الخميس 30أبرايل 2026
ليست الشهرة كما يظنّها الكثيرون نعمةً خالصة، ولا ضوءًا دائمًا يهدي الطريق؛ بل قد تكون في لحظةٍ ما مرآةً خادعة، تُجمّل الوجه أمام الناس، وتُخفي خلفها روحًا تخبو شَيْئًا فَشَيْئًا في سُكُونٍ بعدَ الصَّخَبِ، فالغرور كالدخان يملأ المكان لكنه يخنق صاحبه أولا ثم يقضي عليه في نهاية المطاف.
وفي الوقت الذي يعتاد الإنسان التصفيق، حتى يبدأ في تصديق أنه فوق النقد، وفوق الناس، وربما… فوق نفسه. وهنا تحديدًا، لا تبدأ الشهرة في رفعه، بل في أَنْ يَفْقد نَفْسَهُ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ ويبقى مجرد اسم في بطاقته الشخصية وليس اسمًا يعتزّ به التاس.
ففي عالمٍ تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، وتُقاس المكانة بارتفاع الصوت لا بعمقه، نجدُ على العكسِ أنَّ مَن له قيمةٌ فعليةٌ قد لا تظهرُ قيمتُه، وأحيانًا كثيرةً يكونُ مشهورًا وله اسمُه، ولكنَّ غرورَه يُباعدُ بينه وبين الناس، بل يُفقدُه قَبولَ الجمهور الحقيقي الذي يصنعه.
الغرور لا يأتي فجأة، بل يتسلّل بهدوء، في كلمات الإعجاب، في نظرات الانبهار، في ذلك الشعور الخفي بأن العالم يدور في فلك اسمٍ واحد. ومع الوقت، يتحول هذا الشعور إلى قناعة، ثم إلى سلوك، ثم إلى عزلةٍ لا يشعر بها صاحبها… حتى يجد نفسه واقفًا على قمةٍ خالية، لا يسمع فيها سوى صدى صوته، وحينها لا يدرك أن الأضواء بدأت تنحسر. وعند هذه المرحلة، لا يكون الغرور مجرد شعورٍ عابر، بل يتحول إلى أسلوب حياة... طريقة تُقصي الآخرين بهدوء، حتى لا يبقى حوله سوى ذاته.
وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها كثيرون:
فبين الغرور والثقة بالنفس شعرةٌ دقيقة، لا يراها من اعتاد التصفيق، ولا يشعر بها من أُغرق في الإعجاب يهذا المشهور سواء كان فنانًا، أو لاعبَ كرةِ قدم، أو إعلاميًّا، أو ناقدًا… إلى آخر هذه الصفوف التي قد يظنّ بعضُها أنه من الصفوة لمجرّد تسليط الأضواء عليهم، وحينئذ يختلط فيه الغث بالسمين أو ذلك الحدّ الفاصل بين الثقة بالنفس والغرور؛ فيحسب التميّز تفوّقًا مطلقًا، ويرى في الشهرة دليلًا على استحقاقٍ لا نقاش فيه ولا غبار عليه.
ولعلّ الأشد قسوةً في الحكاية، أننا لسنا أبرياء منها كما نتصوّر
فنحن، في كثيرٍ من الأحيان، من نصنع هذا التحوّل. نبالغ في التمجيد، نمنح الهالة، نرفع أشخاصًا إلى مكانةٍ لا تحتمل بشرًا، ثم نندهش حين يتصرّفون وكأنهم فوق الناس. نخلق الصورة… ثم نُصدّقها… ثم نشكو منها.
ولهذا، لا يولد “الفراعنة” من فراغ، بل تُصنع تيجانهم على أيدي جمهورٍ أحبّهم أكثر مما ينبغي… حتى جعلهم ينسون أنهم كانوا يومًا، مثلنا. ومن هنا يبدأ الاختلال الخفيّ حين يتحوّل التصفيق من تشجيعٍ إلى تصديق، ومن تقديرٍ إلى تبرير، فيغيب عنه ميزان الحقيقة، ويخفت صوته الداخلي الذي كان يومًا ما يردعه.
والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا، إن الثقة بالنفس مطلوبة… بل ضرورية، فهي التي تمنح الإنسان ثباته، وتدفعه إلى الإبداع والتقدّم، لكنها إن تجاوزت حدّها، انقلبت إلى غرورٍ يُقصي الآخرين ويُعمي صاحبه. إن الفارق بين الثقة والغرور دقيقٌ لكنه حاسم: فالواثق بنفسه يرتفع دون أن يتعالى، ويُصغي دون أن يضعف، ويظلّ إنسانًا… مهما علا اسمه. وإذا وصلت الشهرة إلى حد يفقد صاجب الشهرة أو ذائع الصيت لماله أو جاهه أو أو لأيِّ سببٍ آخر، إنسانيّتَه، فلا جدوى منها؛ لأنَّ الإنسانيّةَ والرحمةَ والإحساسَ بالآخرين تفوقُ كلَّ شيء.
وربما لا تبقى هذه الفكرة مجرّد تأمّلٍ نظريّ، بل تتحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى حكايةٍ تتكرّر بأسماءٍ مختلفة
حكايةُ موهبةٍ حقيقيةٍ بدأت من البساطة، وانتهت عند التحوّل الذي صنعته الأضواء.
.
فلنسمّه — آدم على سبيل الحكاية
شابٌّ كان يملك موهبةً لافتةً في التمثيل والغناء، لم يكن صوته ما يميّزه فحسب، بل صدقه، تلك العفوية التي تصل إلى الناس دون استئذان. بدأ بخطواتٍ صغيرة، في مسارح محدودة، وأعمالٍ لم تكن تحت الأضواء، لكنه كان حاضرًا بقلبه قبل صوته.
لم يكن اسمه مهمًا في البداية. كان مجرد شابٍ عادي، يقف في طابور طويل ليشتري قهوته، يضحك بصوتٍ عالٍ مع أصدقائه، ويتوقف أحيانًا ليلتقط صورةً مع طفلٍ طلب منه ذلك بخجل.
كان واحدًا من الناس… بل ربما أقربهم
في تلك الأيام، لم يكن يحتاج إلى حراسة، ولا إلى مواعيد مُسبقة ليصافح أحدًا
كان يردّ على الرسائل، يقرأ التعليقات، ويشكر كل من كتب له كلمة طيبة، كأنها كنز
ثم جاءت اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
ضوءٌ ساطع، جمهورٌ يهتف باسمه، كاميرات تلاحقه، وعناوين تتسابق لتكتب عنه
في البداية، ارتبك… ثم اعتاد… ثم صدّق
بدأت التفاصيل الصغيرة تختفي
لم يعد يقف في الطوابير،
لم يعد يسمع أحدًا دون أن ينظر إلى ساعته،
لم يعد يضحك… بل يبتسم ابتسامةً مدروسة، كأنها جزء من عرضٍ لا ينتهي.
وفي أحد الأيام، اقترب منه نفس الطفل — أو ربما طفلٌ يشبهه — يحمل نفس النظرة الخجولة، ونفس الرغبة البسيطة في صورة
لكن هذه المرة، لم يتوقف. رفع نظارته الشمسية قليلًا، نظر نظرة سريعة، ثم أكمل طريقه و كأن الطفل لم يكن!
في تلك اللحظة، لم يكن قد فقد جمهوره، بل فقد شيئًا أعمق بكثير...
فقد ذلك الجزء الذي كان يجعله إنسانًا
أصدقاؤه القدامى لم يعودوا حوله، ليس لأنه ابتعد عنهم فقط، بل لأنهم لم يعودوا يعرفونه، صوته تغيّر، كلماته أصبحت مختصرة، ضحكته اختفت، وحتى صمته لم يعد يشبهه
كل شيء فيه أصبح “أكبر إلا قلبه، فقد أصبح أضيق من أن يتّسع لغيره.”
ومع مرور الوقت، بدأت الهتافات تقل، والأضواء تخفت، والأسماء الجديدة تصعد.
التفت حوله… فلم يجد أحدًاّ، لا ذلك الطفل، ولا أولئك الأصدقاء، ولا ما كان عليه في بداياته أو ملامحه الأصلية.
حينها فقط… أدرك متأخرًا، أن الغرور لم يجعله أكبر من الناس، بل جعله أصغر من أن يكون بينهم.
وربما لو كان في بيئةٍ تُعيد الفنان إلى حجمه الطبيعي كلما ابتعد، لاحتفظ بشيءٍ من توازنه…
ففي كثيرٍ من التجارب الغربية، تبقى هناك مسافةٌ بين الفنان والجمهور، تُبقيه على تماسٍّ مع النقد والمساءلة، مهما علا اسمه
أما في عالمنا، فكثيرًا ما تتحوّل الأضواء إلى هالةٍ تعزل صاحبها، لا تُقرّبه من الناس، بل تضعه فوقهم… حتى ينسى أنه منهم
وهنا، لا تكمن المشكلة في الشهرة ذاتها، بل في الطريقة التي تُدار بها…
وفي القدرة — أو العجز — عن البقاء إنسانًا داخلها.
ومغزى هذه القصة أن الشهرةُ ليست اختبارًا لما يراه الناس فيك، بل لما تبقيه أنتَ في نفسك
وإن كان لا بدّ منها، فلتكن طريقًا يقرّبك من الناس، لا سلّمًا يرفعك فوقهم
لأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد من يعرف اسمك، بل بعدد من يشعر بإنسانيتك. فحين تفقد إنسانيتك، لا تعوّضها كلّ الأضواء.

Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *