
و.ش.ع بقلم۔ أمين الصادق
الاحد 03 مايو 2026
يقف الدكتور د.ماجد الخزان في عراء المواجهة وحيدا يتصدى لمنظومة متوحشة مكتملة القبح تبدأ من صغار السماسرة والمنتفعين صعودا إلى طغمة جشعة تمثل الحوت الذي يحمي كارتيلات الدواء وحيتان المسالخ الطبية.
هي باختصار مافيا لا تعرف الرحمة تبتلع لحوم المرضى قبل جيوبهم وتسن سكاكينها لجز عنق كل طبيب حر يأبى أن يكون جزارا في مسالخها المضاءة بالزيف. في يمننا المكلوم الذي تحولت فيه المشافي إلى مذابح أنيقة لامتصاص دماء الكادحين يبرز طبيب يقرر أن يكسر الصنم.
اختار استشاري جراحة العظام والعمود الفقري أن يقيم صلب هذا الشعب المنهك بدلا من أن يسبح بحمد الآلة الحاسبة وأرصدة البنوك. لم يقبع الخزان في برجه العاجي بمركز الكوثر الطبي بل جعل من حضوره العام متراسا لجلد الفساد وتعريته وصفع سياسات المجلس الطبي الأعلى التي تشرعن ذبح المواطن البسيط. فماذا كانت ضريبة هذا التمرد هجمات مسعورة واعتقال أفضى به إلى جلطة دماغية داخل زنزانته لأن المنظومة البائسة لا تغفر لمن يفسد عليها مواسم النهب فسلام الله عليه وعافيته تغشاه.
ذاكرة النزيف والمؤامرات
إن ما يكابده الخزان يعيد إلى الأذهان ما تجرعته الدكتورة المصرية منى مينا حين تصدرت في عام ألفين وستة عشر وما تلاها جموع الرافضين لخصخصة المشافي الحكومية ووقفت كطود شامخ في وجه وزراء الصحة فكان ثمن وقفتها سياط التهديد وجرائم التحقيق والتشويه. المفارقة الفاضحة أن أسواق النخاسة الطبية تتوج من يسبح بحمدها فترى أطباء آثروا الصمت أو ولغوا في قصعة الفساد فتغدق عليهم صحافة الدفع المسبق آيات المديح وتفتح لهم شاشات التضليل بينما يسحل الشرفاء المنحازون لآلام الفقراء والرافضون لتسليع مهنة الطب وتتآمر عليهم المجالس والمؤسسات الرسمية وتكون معاملتهم قاسية ومجحفة فقط لأنهم أبوا أن يحيلوا المريض إلى بضاعة تباع وتشترى في مزادات الموت.
مافيا عابرة للقارات
هذا التغول والاستغلال الذي يجابهه طبيبنا الشجاع هو ذاته ما لاقته الطبيبة الأمريكية مارثا أنجيل التي اعتلت سدة أعرق المجلات الطبية في العالم ثم شهرت سيفها في وجه سدنة الفساد. عرت أنجيل كبريات كليات الطب التي تقتات على رشاوى مقنعة وفضحت دهاقنة الأساتذة الذين يصرفون أدوية باهظة طمعا في فتات الشركات فكان العقاب مقاطعتها ومحاولة اغتيالها أكاديميا. وفي الدنمارك تتكرر المأساة مع الدكتور بيتر غوتشه الذي قارع وحوش الأدوية الباهظة فتكالب عليه أساتذة الجامعات المرتهنون لشركات الأدوية وطردوه بليل من مؤسسة الشفافية الطبية التي شيدها بيده.
دكاكين الأبحاث ومسالخ المستشفيات
حين تدس يدك في وكر الأفاعي فلا تنتظر سوى اللدغات المسمومة. تأمل ما حدث للطبيب الأمريكي كارل إليوت الذي ألقى بحجر الحقيقة في مستنقع جامعته وفضح استخدامها للمرضى النفسيين كفئران تجارب فعومل كأجرب وتلقى تهديدات بقطع دابر مسيرته. أما جراح القلب العظيم برنارد لاون مبتكر جهاز الصدمات الكهربائية فقد ركل المليارات ورفض احتكار ابتكاره وفضح لصوص الجراحة الذين يشقون صدور المرضى حبا في جمع المال فنهشته مافيا الجراحين بأسنانها. وفي بريطانيا زلزل الطبيب بن جولديكر عروش الأكاديميين المزيفين بكتابه العلوم السيئة فكالوا له قضايا التشهير بملايين الجنيهات.
ضريبة الانحياز للكادحين
إن معركة الأطباء الشرفاء هي معركة وجودية واحدة تشتعل في صنعاء كما في القاهرة وواشنطن. هؤلاء الأطهار لا ينازلون طبيبا لصا في العيادة المجاورة بل يصطدمون بمثلث حديدي كالح أضلاعه مستشفيات تنهب اللحم والعظم وجامعات تفرخ أطباء بلا ذمة ومسؤولون يمنحون صكوك الغفران لهذا الخراب العميم. لذلك حين تهتف الجماهير الغفيرة باسم بطل كمثل ماجد الخزان فهم لا يمجدون مهارة مشرطه بل يلتفون حول مشروع فدائي اختار أن يكون بلسما للفقراء في زمن التوحش الرأسمالي.
تحية إجلال لكل طبيب قابض على جمر المهنة يقف كالطود في وجه الطوفان ولكل زميل شريف يحرس قسمه الطبي ويأنف أن يعرض إنسانيته في أسواق النخاسة المبتذلة.

Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *