وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

Header
collapse
الرئيسية / مــقالات / حين تُقصى الكفاءات… ويُكافأ الفشل: حكاية وطن يواجه خطر الانهيار الصامت

حين تُقصى الكفاءات… ويُكافأ الفشل: حكاية وطن يواجه خطر الانهيار الصامت

أبريل 10, 2026  Mohamed Abd Elzaher 125 views
حين تُقصى الكفاءات… ويُكافأ الفشل: حكاية وطن يواجه خطر الانهيار الصامت

 و٠ش٠ع            القاهرة.  حسبن السمنودي

الجمعة 10 ابريل  2026   

لم يعد الفساد مجرد سلوك فردي منحرف، ولا المحسوبية مجرد استثناء عابر في دهاليز المؤسسات، بل تحوّل كلاهما في بعض الأحيان إلى منظومة خفية تنخر في جسد الدولة ببطء، حتى تكاد تُفقده توازنه وقدرته على النهوض. 

نحن لا نتحدث هنا عن أخطاء عابرة، بل عن ثقافة تتسلل إلى العقول قبل الملفات، وإلى النفوس قبل المكاتب، فتُفسد القرار، وتُربك العدالة، وتقتل الأمل في قلوب المستحقين.


إن أخطر ما في الفساد أنه لا يظهر فجأة، بل ينمو في الظل، مستفيدًا من الصمت، ومتغذيًا على الخوف، ومتحصنًا بالمصالح المتبادلة. 

يبدأ بتجاوز صغير، ربما يُبرَّر بظروف أو علاقات، ثم يتحول مع الوقت إلى قاعدة غير مكتوبة، تُقصي الكفاءات وتُقدم أصحاب النفوذ. 

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية: حين يشعر المواطن أن الجهد لا يكفي، وأن الكفاءة لا تُقدَّر، وأن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر العمل، بل عبر العلاقات.


المحسوبية هي الوجه الآخر لهذا الفساد، بل هي بوابته الواسعة. 

حين يُعيَّن غير المؤهل في موقع المسؤولية، لا يكون الضرر في هذا القرار وحده، بل في سلسلة القرارات الخاطئة التي سيتخذها لاحقًا. 

وحين يُقصى صاحب الخبرة لأنه لا يملك “واسطة”، فإن المؤسسة تخسر عقلًا كان يمكن أن يُنقذها من الانحدار. 

وهكذا تتحول الإدارات إلى كيانات ضعيفة، تفتقر إلى الرؤية، وتغرق في الروتين، وتفشل في تحقيق أبسط أهدافها.
وليس الأمر مقتصرًا على تعيينات أو ترقيات، بل يمتد إلى الخدمات اليومية التي يتلقاها المواطن. 

حين تصبح الخدمة مرهونة بـ”معرفة حد”، يفقد المواطن ثقته في الدولة، ويشعر بالغربة داخل وطنه.

 وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث: أن يشعر الإنسان أنه غريب في بلده، وأن حقوقه ليست مضمونة إلا إذا امتلك وسيلة للضغط أو بابًا خلفيًا للدخول.


الفساد لا يدمّر المؤسسات فقط، بل يدمّر القيم. يقتل فكرة العدالة، ويشوّه معنى النجاح، ويزرع في الأجيال الجديدة قناعة خطيرة مفادها أن الطريق المستقيم لا يوصل. 

وحين تتشوه القيم، يصبح الإصلاح أصعب بكثير، لأننا لا نواجه خللًا إداريًا فقط، بل أزمة أخلاقية عميقة.


وإذا نظرنا إلى الدول التي سقطت أو تراجعت، سنجد أن الفساد كان دائمًا أحد الأسباب الرئيسية.

 لأنه يُضعف الاقتصاد، ويُهدر الموارد، ويُفقد الدولة قدرتها على التخطيط السليم. 

كيف يمكن لدولة أن تتقدم وقراراتها تُتخذ بناءً على مصالح ضيقة؟ 

كيف يمكن لمؤسسة أن تنجح وهي تُدار بعقلية المجاملة لا الكفاءة؟
لكن رغم هذا الواقع، فإن الأمل لا يزال قائمًا.

 لأن الفساد، مهما تغلغل، يمكن مواجهته بإرادة حقيقية. تبدأ هذه المواجهة من أعلى مستويات المسؤولية، 

حيث يجب أن يكون هناك وضوح في المعايير، وشفافية في القرارات، ومحاسبة حقيقية لا تعرف المجاملة.

 لا يكفي أن نُدين الفساد بالكلمات، بل يجب أن نُحاربه بالأفعال، وأن نُغلق أبوابه، وأن نُجفف منابعه.
كما أن للإعلام دورًا محوريًا في كشف الحقائق، وتسليط الضوء على التجاوزات، دون خوف أو تردد. 

وللمجتمع أيضًا دور لا يقل أهمية، في رفض هذه الممارسات، وعدم التواطؤ معها، حتى لو كانت في مصلحته المؤقتة.

 لأن ما يُكسبه الفرد اليوم بالمحسوبية، قد يخسره غدًا حين تصبح القاعدة العامة.
ويبقى العنصر الأهم هو بناء الإنسان، وغرس القيم منذ الصغر.

 أن نُعلم أبناءنا أن النجاح الحقيقي لا يُشترى، وأن الكرامة لا تُقايض، وأن الوطن لا يُبنى بالمجاملات، بل بالعدل والعمل والإخلاص.


وفي نهاية هذا المشهد المؤلم، يبقى الخطر الأكبر ليس في الفساد ذاته، بل في نتائجه الكارثية التي تُقصي العقول وتُحطم الخبرات وتُفرغ المؤسسات من مضمونها الحقيقي. 

حين يُدفع أصحاب الكفاءة إلى الهامش، لا لذنب اقترفوه سوى أنهم لا يجيدون طرق أبواب “الواسطة”، وحين يتصدر المشهد من لا يملكون من أدوات القيادة سوى القرب والولاء، فإننا لا نهدم مؤسسة واحدة، بل نهدم مستقبل أمة بأكملها.


إن تقزيم الخبرات جريمة صامتة، لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تترك خلفها فراغًا هائلًا لا يملؤه أحد. 

خبرات تُهمَّش، وعقول تُهاجر، وكفاءات تُدفن وهي على قيد الحياة، فقط لأن ميزان الاختيار اختل، وأصبح يُقاس بالقرابة لا بالقدرة، وبالعلاقات لا بالإنجاز.

 وهنا تتحول المؤسسات إلى هياكل بلا روح، تُدار بقرارات مرتبكة، وتُقاد بعقول لم تُصقل، فتتوالى الإخفاقات، ويُصبح الفشل أمرًا معتادًا لا يُحاسب عليه أحد.


أما تصعيد غير المؤهلين، فهو الوجه الأكثر قسوة لهذا الانحدار. 

لأن من لا يملك الخبرة، لا يستطيع أن يرى الصورة كاملة، ولا أن يُدرك خطورة قراراته، فيُدير الأزمات بعشوائية، ويُضاعف الأخطاء بدل أن يُصححها. والأسوأ من ذلك، أنه يُحيط نفسه بمن يشبهونه، فتُغلق الدائرة على الجهل، ويُقصى كل صوت مختلف، وكل عقل ناقد، وكل صاحب رؤية.


وهنا، لا يصبح الفساد مجرد خلل، بل يتحول إلى منظومة متكاملة تُعيد إنتاج نفسها، وتُحارب كل من يحاول كسرها. 

منظومة ترى في الكفاءة تهديدًا، وفي الخبرة خطرًا، وفي النزاهة عقبة أمام مصالحها.


إن الوطن لا يُدار بالمجاملات، ولا يُبنى بالمحسوبية، ولا ينهض إلا بسواعد من يعرفون، ويُخلصون، ويستحقون.

 وإذا استمر هذا النهج، فإننا لا نُقصي أفرادًا فقط، بل نُقصي الأمل، ونُصادر المستقبل، ونفتح أبوابًا واسعة لانهيار لا يُرى بالعين، لكنه يُحس في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة.
فإما أن نُعيد الاعتبار لأهل الخبرة، ونضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ونُغلق أبواب الوساطة إلى الأبد…
وإما أن نستمر في هذا الطريق، حيث يتصدر المشهد من لا يستحق، ويُصفَّق له من لا يرى، ويُدفع الثمن وطنٌ كامل لا ذنب له… سوى أنه وُضع يومًا بين أيدي من لا يُقدّرون قيمة الأمانة.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy