
و٠ش٠ع القاهرة . حسبن السمنودي
الجمعة 10 ابريل 2026
في زمنٍ لم يعد فيه الصوت الأعلى هو صوت العقل، بل صدى المصالح، يقف العالم اليوم على حافة مرحلة تاريخية شديدة التعقيد، تتداخل فيها خيوط السياسة بالاقتصاد، وتتشابك فيها التحالفات كما لم يحدث من قبل. لم تعد الصراعات مجرد نزاعات حدودية أو خلافات أيديولوجية، بل تحولت إلى صراع مفتوح على إعادة تشكيل النظام الدولي بأكمله.
ما نشهده اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة، بل لوحة كاملة تعكس ملامح نظام عالمي يتغير بصمت أحيانًا، وبعنف أحيانًا أخرى. القوى الكبرى لم تعد تكتفي بإدارة النفوذ، بل تسعى لإعادة توزيعه، بينما الدول الإقليمية أصبحت لاعبا رئيسيا، لا تابعا، في معادلة معقدة تحكمها المصالح لا المبادئ.
في قلب هذه التحولات، تقف منطقتنا العربية في موقع بالغ الحساسية، فهي ليست مجرد ساحة صراع، بل نقطة ارتكاز لكل التوازنات الدولية. الطاقة، والممرات البحرية، والموقع الجغرافي، كلها عوامل تجعل من هذه المنطقة هدفًا دائمًا لإعادة التشكيل وفق حسابات القوى الكبرى. لكن الأخطر ليس في الصراع ذاته، بل في كيفية استغلاله لإضعاف الدول من الداخل، عبر بث الفوضى، وتغذية الانقسامات، وصناعة أزمات تستنزف مقدرات الشعوب.
لقد أصبح واضحًا أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السلاح، بل على الاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا، وحتى الشائعات. هناك من يدير المعارك من خلف الشاشات، ويصنع الرأي العام كما تُصنع الأسلحة، ويوجه الشعوب نحو مسارات قد لا تدرك عواقبها إلا بعد فوات الأوان.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبرز تساؤلات حقيقية: إلى أين يتجه العالم؟ وهل نحن أمام نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، أم فوضى عالمية مفتوحة؟ وهل تستطيع الدول النامية أن تحافظ على استقلال قرارها، أم ستظل رهينة لصراعات الكبار؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من الداخل. فالدول التي تمتلك وعيًا سياسيًا، وإدارة رشيدة، ومؤسسات قوية، تستطيع أن تصمد، بل وأن تفرض نفسها على طاولة القرار. أما الدول التي تغرق في صراعاتها الداخلية، فإنها تتحول إلى مجرد أوراق في لعبة أكبر منها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة في هذه المرحلة ليس العدو الخارجي، بل فقدان البوصلة. حين تختلط الأولويات، ويغيب الوعي، وتُستبدل الحقائق بالشائعات، يصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر.
ولذلك، فإن المرحلة القادمة تتطلب يقظة غير مسبوقة، وفهمًا عميقًا لما يدور حولنا، وقدرة على التمييز بين ما يُراد لنا، وما يجب أن نريده نحن. فالعالم لا يحترم إلا الأقوياء، ولا يفسح مكانًا إلا لمن يعرف كيف يحمي مصالحه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالقدرة على الفعل. ومن لا يشارك في صياغة مستقبله، سيُكتب له مستقبل على يد الآخرين… وربما بدمائه.


Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *