وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

collapse
الرئيسية / مــقالات / موعود بالجراح دايمًا يا مرتّبي

موعود بالجراح دايمًا يا مرتّبي

أبريل 28, 2026  وكالة انباء الشرق العربي 120 views
موعود بالجراح دايمًا يا مرتّبي

و.ش.ع           القاهرة  ۔  حسين السمنودي

الثلاثاء  28 أبرايل  2026  

ليس المرتّب مجرد رقم يُكتب في ورقة، ولا هو تحويل بنكي يصل في موعدٍ معلوم فنطمئن. المرتّب في حياة البسطاء حكاية طويلة من الوعود المؤجلة، من الأمنيات التي تُولد لتُدفن سريعًا، من الأحلام التي تُقاس بالجرام والكيلو، لا بالخيال.
في الليلة التي تسبق نزوله، يصبح إنسانًا له هيبة. نجلس نحسبه قبل أن يأتي، نُقسّمه كأننا نوزّع ميراثًا ضخمًا: هذا للإيجار، وهذا للكهرباء، وهذا للمياه، وهذا للمدرسة، وهذا للدواء… ثم نصمت فجأة، لأننا ندرك أن القائمة أطول من المرتّب نفسه. نُعيد الحساب، لا لنزيد المال، بل لنُقلّص احتياجاتنا. كأن المشكلة فينا نحن، لا فيه.
نُجيد فنّ الحذف. نحذف الرغبات أولًا، ثم الكماليات، ثم الضروريات، حتى نصل إلى مرحلة نحذف فيها "الراحة" نفسها. الراحة رفاهية لا تليق بنا. نحن أبناء التعب، أبناء الجري خلف لقمةٍ تعرف كيف تهرب.
في الصباح، نخرج إلى أعمالنا بوجوهٍ عادية، لكن داخل كل واحدٍ منا قصة لا تُحكى. موظف يجلس خلف مكتبٍ قديم، يبتسم لزملائه، يرد على التحية، يفتح الملفات، لكنه في الحقيقة يفتح دفاتر الديون في رأسه. يفكر: هل يكفي هذا الشهر؟ هل أؤجّل الدواء؟ هل أعتذر لطفلي مرةً أخرى عن تلك اللعبة التي وعدته بها منذ عام؟
صاحب المعاش… آه، هذا الرجل الذي أفنى عمره في العمل، ظنّ يومًا أن الراحة ستأتي في نهايته، فإذا بها تأتي بشكلٍ ساخر. يجلس على كرسيه، يحسب معاشه كما يُحسب ثمن الخبز. ينظر إلى الأسعار وكأنها لغةٌ جديدة لا يفهمها. كل شيء أصبح أكبر منه، حتى احتياجاته الصغيرة أصبحت عبئًا عليه. يبتسم حين يسأله أحد: "عامل إيه؟" ويقول: "الحمد لله"، لكنه يعرف أن الحمد هنا ليس رضا، بل محاولة للتماسك.
البيت نفسه لم يعد مكانًا للراحة، بل ساحة حسابات. الزوجة تُفكّر في كيفية إعداد وجبةٍ تُشبع الجميع دون أن تُفلس الميزانية. الأم تُخفي قلقها خلف أطباقٍ بسيطة. الأب يتظاهر بالقوة، لكنه في الليل يجلس صامتًا، يحدّق في السقف، كأنه ينتظر جوابًا لن يأتي.
الأطفال… هؤلاء الذين لا يفهمون لغة الأرقام، لكنهم يشعرون بكل شيء. حين يقول الأب "مش دلوقتي"، يعرف الطفل أن "مش دلوقتي" تعني "ربما أبدًا". وحين يرى أمه تُقنّن في كل شيء، يتعلّم قبل أوانه أن الحياة ليست عادلة.
نحن لا نعيش، نحن نؤجّل الحياة. نؤجّل الفرح، نؤجّل الراحة، نؤجّل حتى الحزن أحيانًا، لأن الحزن نفسه يحتاج إلى وقتٍ لا نملكه. كل شيء مؤجل… إلا التعب.
في الشارع، ترى الوجوه متشابهة. نفس التعب، نفس القلق، نفس النظرة التي تسأل: "إلى متى؟" لكن لا أحد يجيب. لأن الإجابة مؤلمة، ولأننا تعوّدنا أن نكمل الطريق دون أن نسأل كثيرًا.
المرتّب لا يأتي وحده، بل يأتي محمّلًا بثقل العالم. يأتي ليذكّرك بكل ما لا تستطيع فعله. يذكّرك بأنك مهما حاولت، ستظل تُطارد حياةً تسبقك بخطوة. هو لا يُنقذك، بل يُبقيك على قيد المحاولة.
ومع ذلك… هناك شيء غريب يحدث. رغم كل هذا، نستمر. نستيقظ كل يوم، نلبس نفس الملابس، نذهب لنفس العمل، نضحك أحيانًا، ونمزح، ونحاول أن نبدو بخير. ليس لأننا بخير، بل لأننا لا نملك رفاهية الانهيار.
السخرية أصبحت لغتنا. نقول "إحنا عايشين زي الفل" ونحن نعلم أننا بالكاد ننجو. نضحك على المرتّب، على الأسعار، على أنفسنا… لأن الضحك هو الطريقة الوحيدة التي لا تكلف شيئًا.
لكن، بين كل هذه الضحكات، هناك لحظات صمت قاتلة. لحظات تشعر فيها بثقل الحياة فوق صدرك. لحظات تسأل فيها نفسك: هل هذا ما كنا نحلم به؟ هل هذه هي الحياة التي تعبنا من أجلها؟ ولا تجد إجابة… فقط صمت.
"موعود بالجراح يا مرتّبي"… ليست مجرد جملة، بل حقيقة نعيشها. المرتّب لا يُداوي، بل يفتح الجروح كل شهر من جديد. يذكّرك بما لا تملك، بما لن تملك، بما كان يمكن أن يكون.
وفي النهاية… لا يبقى من كل هذه الحكاية إلا إنسانٌ بسيط، يحمل على كتفيه ما لا يُرى. لا يطلب المستحيل، ولا يحلم بالقصور، فقط يريد حياةً لا تُهينه، يومًا لا يُحاسب فيه على أنفاسه، وراحةً لا تُؤجَّل إلى أجلٍ غير معلوم.
نحن لا نكتب عن المرتّب كرقم، بل كوجعٍ يتكرر، كموعدٍ شهري مع الخيبة، كرسالةٍ صامتة تقول لنا كل مرة: "تحمّل أكثر." وكأن التحمل صار واجبًا، وكأن الصبر بلا نهاية فضيلة مطلقة، لا يُسأل أحدٌ بعدها: إلى متى؟
كم من أبٍ كسرته حسابات الشهر قبل أن تكسره السنون، وكم من أمٍ اختصرت أحلامها في طبقٍ يكفي أبناءها، وكم من شيخٍ عاش عمره كله يظن أن النهاية ستكون رحيمة، فإذا بها أكثر قسوة من البداية. هذه ليست مبالغات… هذه تفاصيل يومية لا تُكتب في التقارير، لكنها محفورة في الوجوه، في الصمت الطويل، في النظرات التي تهرب من السؤال.
المؤلم ليس فقط قلة المال… بل قلة الشعور. أن يُصبح التعب عاديًا، والضيق مألوفًا، والحرمان جزءًا من الروتين. أن تُصبح الحياة نفسها عبئًا يحتاج إلى تبرير، وكأنك مطالب أن تُثبت كل يوم أنك تستحق أن تعيش.
ومع ذلك… لا يزال هناك شيء صغير يقاوم. شيء لا يُرى، لكنه موجود. ربما هو الأمل، أو العناد، أو بقايا حلمٍ قديم لم يمت بالكامل. هذا الشيء هو ما يجعلنا نقف كل مرة بعد أن نظن أننا لن نستطيع. هو ما يجعلنا نكمل، رغم أننا نعرف أن الطريق ليس سهلًا، وربما لن يصبح كذلك قريبًا.
لسنا أبطالًا، ولسنا خارقين… نحن فقط بشر نحاول أن نعيش بكرامة في ظروف لا ترحم. نحاول أن نحافظ على ما تبقّى من إنسانيتنا، من ضحكتنا، من قدرتنا على الحلم، حتى وإن كان الحلم بسيطًا كوجبةٍ كاملة أو يومٍ بلا قلق.
"موعود بالجراح يا مرتّبي"… نعم، لكنها ليست النهاية. لأن الجراح، مهما كثرت، تترك فينا قوة غريبة. قوة الصمود، قوة الاستمرار، قوة أن نقول للحياة – رغم كل شيء – إننا هنا… ولن نختفي بسهولة.
ربما لا نملك الكثير، وربما لن نحصل على كل ما نريد، لكننا نملك هذه القدرة العجيبة على البقاء. على أن نُكمل الحكاية، حتى وإن كُتبت بحبرٍ من التعب.
وفي عالمٍ يُثقل كاهل البسطاء يومًا بعد يوم… يكفي أحيانًا أن تظل واقفًا.
وهذا… في حد ذاته، ليس شيئًا قليلًا.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy