
و.ش.ع القاهرة ۔ حسين السمنودي
الاثنين 27 أبرايل 2026
لم يعد الحديث عن سوق السمك الجديد ببورسعيد مجرد وصف لمكان تُعرض فيه الأسماك، بل أصبح حديثًا عن تجربة متكاملة أعادت رسم ملامح المدينة الساحلية العريقة بورسعيد، ورفعت من شأنها سياحيًا واقتصاديًا، حتى غدا السوق واحدًا من أبرز معالمها الحديثة، ووجهة لا يمكن لأي زائر أن يتجاهلها.
منذ اللحظة الأولى لدخول السوق، يشعر الزائر أنه أمام عمل معماري متقن، لا مجرد سوق تقليدي. تصميم يجمع بين الحداثة والهوية البحرية، مساحات واسعة منظمة، نظافة لافتة، وإضاءة مدروسة تعكس جمال المكان وتُبرز تفاصيله. كل زاوية في السوق تحكي عن رؤية واعية أرادت أن تُخرج تجارة السمك من العشوائية إلى عالم الحضارة والتنظيم.
لقد نجحت الدولة المصرية في تحويل فكرة السوق الشعبي إلى مشروع حضاري متكامل، يليق بتاريخ بورسعيد ومكانتها. فالسوق لم يعد فقط مكانًا للبيع والشراء، بل أصبح منصة عرض حضارية تُظهر ثراء البحر المصري وتنوع خيراته، من أسماك وقشريات، في صورة منظمة تجذب العين قبل أن تُرضي الذوق.
ولأن التجربة لا تكتمل إلا بالطعام، يبرز داخل هذا الصرح واحد من أهم معالمه وأكثرها تميزًا، وهو مطعم السواحل فرن وتجهيز، ذلك المكان الذي يديره الشاب الطموح أحمد يحي، والذي استطاع أن يحوّل فكرة إعداد السمك إلى فن حقيقي يُحاكي التراث ويواكب الذوق العصري في آنٍ واحد.
هذا الفرن ليس مجرد مكان للطهي، بل هو روح نابضة داخل السوق، يجذب الزوار قبل أن يصلوا إليه برائحة الحطب المميزة التي تعانق المكان، وتُعيد للأذهان زمن الطهي الأصيل الذي كاد أن يندثر. فهنا، لا تُطهى الأسماك على عجل، بل تُعد بحرفية وصبر، داخل أفران تعمل بالحطب، تمنح الطعام نكهة لا تُضاهى، وتُضفي عليه طابعًا تقليديًا فريدًا لا يمكن تقليده بالوسائل الحديثة.
أحمد يحي لم يقدم فقط مطعمًا، بل قدّم تجربة. تجربة تبدأ من اختيار السمك الطازج من داخل السوق، مرورًا بتنظيفه وتجهيزه أمام الزبون، وصولًا إلى إدخاله الفرن ليخرج بعد دقائق تحفة شهية، تحمل مزيجًا من عبق البحر ودفء الحطب. كل طبق يُقدم هناك هو شهادة جودة، ورسالة عشق لمهنة توارثها المصريون عبر الأجيال.
ويُعد "السواحل فرن وتجهيز" من أجمل وأشهر الأفران داخل السوق، ليس فقط بسبب جودة الطعام، بل أيضًا بسبب النظام والنظافة والاهتمام بالتفاصيل. المكان مُهيأ لاستقبال الزوار، والعاملون فيه يتمتعون بخبرة واضحة وذوق رفيع في التعامل، ما يجعل الزائر يشعر وكأنه في مطعم سياحي راقٍ، رغم بساطة الفكرة وصدقها.
ولا يمكن إغفال الإقبال الكبير على هذا الفرن، حيث أصبح مقصدًا لكل من يزور السوق، بل إن الكثيرين يقصدون السوق من أجله تحديدًا. وهنا تتجلى قيمة المشروع، حين يتحول محل صغير داخل سوق إلى علامة مميزة، بفضل الإتقان والإخلاص في العمل.
كما يعكس هذا النجاح روح بورسعيد الحقيقية، تلك المدينة التي لا تعرف إلا الإبداع في أبسط التفاصيل. من صياد يخرج إلى البحر، إلى تاجر يعرض بضاعته، إلى طاهٍ يُبدع في إعدادها، تتكامل المنظومة لتُقدم صورة مشرفة لمدينة تستحق أن تكون في الصدارة.
إن سوق السمك الجديد ببورسعيد ليس مجرد إنجاز عمراني، بل هو قصة نجاح متكاملة، تتجسد في كل ركن من أركانه، وفي كل يد تعمل داخله بإخلاص. ووسط هذا المشهد، يظل "السواحل فرن وتجهيز" نموذجًا يُحتذى به، يؤكد أن التميز لا يحتاج إلى تعقيد، بل إلى صدق في الأداء، وإيمان بقيمة العمل.
وفي ختام هذه اللوحة المضيئة، يقف سوق السمك الجديد ببورسعيد شاهدًا على قدرة الإنسان المصري حين تتوافر له الإرادة والرؤية، أن يحوّل أبسط الموارد إلى أعظم الإنجازات. هنا، لا نتحدث فقط عن سوق، بل عن حضارة تُصنع، وعن مدينة تُعيد اكتشاف نفسها من جديد، لتؤكد أن بورسعيد كانت وستظل أيقونة للجمال والعمل والرزق الحلال.
وفي قلب هذا المشهد المتكامل، يظل مطعم السواحل فرن وتجهيز عنوانًا للتميز الحقيقي، ليس فقط بما يقدمه من أشهى المأكولات البحرية المطهية على الحطب بنكهة أصيلة لا تُنسى، بل بما يعكسه من أخلاق رفيعة وروح عمل جماعي تستحق كل تقدير. فالعاملون هناك لا يقدمون طعامًا فحسب، بل يقدمون احترامًا وذوقًا وابتسامة صادقة تُشعر الزائر أنه بين أهله.
الخدمة داخل "السواحل" تحمل طابعًا إنسانيًا راقيًا؛ سرعة في الأداء، نظافة تليق بالمكان، اهتمام بأدق التفاصيل، وحرص واضح على راحة كل زبون. من لحظة الاستقبال وحتى تقديم الطعام، تشعر أن هناك منظومة تعمل بحب، وأن كل فرد في هذا المكان يدرك قيمة ما يقدمه، ويسعى لأن يترك أثرًا طيبًا في نفس كل من يمر من هنا.
إنها ليست مجرد وجبة تُؤكل، بل تجربة تُعاش، وذكرى جميلة تُحفر في الذاكرة، تدفعك للعودة مرة أخرى. وهنا تتجلى عظمة البساطة حين تُدار بإخلاص، ويبرز الجمال حين يُصنع بالاجتهاد.
بورسعيد اليوم تُقدّم درسًا في أن النجاح لا يأتي صدفة، بل يُبنى بسواعد مخلصة وعقول واعية، وسوقها الجديد، ومعه "السواحل فرن وتجهيز"، يؤكدان أن المستقبل يمكن أن يكون أجمل بكثير حين نُحسن صناعة الحاضر.



Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *