وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

Header
collapse
الرئيسية / مــقالات / لن ننسى… من بحر البقر إلى اليوم دماء تفضح مجازر الصهاينة

لن ننسى… من بحر البقر إلى اليوم دماء تفضح مجازر الصهاينة

أبريل 11, 2026  Mohamed Abd Elzaher 211 views
لن ننسى… من بحر البقر إلى اليوم دماء تفضح مجازر الصهاينة

و٠ش٠ع            القاهرة.  حسبن السمنودي

السبت 11 ابريل  2026   

ليس الحديث عن الصراع مع الصهاينة ترفًا فكريًا أو استدعاءً للتاريخ من أجل البكاء على الأطلال، بل هو جرح مفتوح في ذاكرة أمة، وثأر لم يُغلق ملفه، لأن الدم لم يجف، ولأن الألم لم يتحول إلى مجرد حكاية تُروى، بل ظل حاضرًا في وجدان كل مصري وعربي.
منذ نشأة هذا الكيان القائم على الاغتصاب والتهجير، لم تكن جرائمه مجرد مواجهات عسكرية تقليدية، بل كانت سياسة ممنهجة تقوم على استهداف الإنسان قبل الأرض، والروح قبل الجسد. مجازر بحق المدنيين، اغتيالات جماعية، تدمير قرى بأكملها، وقتل بلا تمييز بين طفل وشيخ وامرأة… هكذا كُتبت فصول هذا الصراع.
وجاءت نكسة يونيو 1967 لتكشف الوجه الأكثر قسوة لهذا العدو، ليس فقط بهزيمة عسكرية قاسية، بل بما تلاها من انتهاكات وجرائم ضد الجنود المصريين. لم يكن ما حدث مجرد حرب انتهت بانسحاب، بل كان ساحة مفتوحة للقتل خارج كل القوانين والأعراف. جنود عُزّل تم استهدافهم، وأسرى لم يُعاملوا كأسرى حرب، بل كأهداف مباحة. كانت تلك اللحظات بمثابة صدمة عميقة في الوعي المصري، لكنها أيضًا كانت الشرارة التي أعادت تشكيل الإرادة، ومهدت لطريق الثأر الذي تحقق بعد ذلك في حرب أكتوبر.
لكن، إن كانت النكسة قد كسرت الجسد، فإن ما حدث في مدرسة بحر البقر كسر القلب.
في صباح يوم 8 أبريل 1970، كان الأطفال يجلسون في فصولهم البسيطة، يحملون دفاترهم، يحلمون بمستقبل لم يُكتب له أن يبدأ. لم يكونوا جنودًا، ولم يحملوا سلاحًا، ولم يكونوا حتى جزءًا من أي معركة. كانوا فقط أطفالًا… في مدرسة ريفية هادئة بمحافظة الشرقية.
وفجأة، تحولت السماء إلى نار.
طائرات العدو أغارت على المدرسة، ليس ضربة عشوائية، بل هجوم متعمد ومباشر. قنابل وصواريخ مزقت الجدران، وسحقت الأجساد الصغيرة، ودفنت الأحلام تحت الأنقاض. سقط العشرات من الأطفال شهداء، وتحوّل المكان الذي كان يفترض أن يكون منبعًا للعلم إلى شاهد على واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث.
لم تكن مجزرة بحر البقر مجرد حادثة حرب، بل كانت رسالة دموية تقول إن هذا العدو لا يعرف حدودًا للإنسانية، ولا يعترف ببراءة الطفولة. كانت جريمة مكتملة الأركان، ضد أطفال لم يعرفوا معنى الصراع، لكنها حفرت في وجدان المصريين معنى لا يُمحى: أن هذا الدم دين، وأن هذا الألم لن يُنسى.
وحتى اليوم، لا تزال صور الحقائب المدرسية الملطخة بالدماء، والكتب الممزقة، والأجساد الصغيرة التي خرجت من تحت الركام، حاضرة في ذاكرة كل من يعرف هذه القصة. لم تكن مجرد مذبحة، بل كانت جرحًا وطنيًا، أصبح جزءًا من الهوية، ومن الشعور العميق بأن هناك حسابًا لم يُغلق.
إن الحديث عن الثأر هنا ليس دعوة للانتقام الأعمى، بل هو تأكيد على أن العدالة التاريخية لا تسقط بالتقادم، وأن الشعوب التي تنسى دماء أبنائها تفقد حقها في المستقبل. الثأر الحقيقي هو الوعي، هو التماسك، هو بناء القوة التي تمنع تكرار المأساة، وهو التذكير الدائم بأن ما حدث لن يُمحى من الذاكرة.
لقد حاولوا عبر السنوات طمس الحقائق، وتغيير الروايات، وتقديم أنفسهم كضحايا، لكن التاريخ لا يُكتب بالدعاية، بل بالدم، والدم المصري الذي سال في بحر البقر، وفي سيناء، وعلى كل شبر من أرض المواجهة، يروي الحقيقة كما هي: أن هناك عدوًا ارتكب جرائم لا تُغتفر، وأن هناك شعبًا لم ينسَ، ولن ينسى.
وفي نهاية هذا المشهد المثقل بالدمع والغضب، لا يمكن النظر إلى هذا العدو إلا باعتباره نموذجًا صارخًا لانهيار كل القيم الإنسانية والأخلاقية التي تتشدق بها الحضارات. كيان لم يقم على أرضه بقدر ما قام على أنقاض غيره، ولم يثبت وجوده بالعدل، بل فرضه بالقوة، ولم يسعَ يومًا للسلام بقدر ما أتقن صناعة الفوضى وتغذية الصراعات.
إن ما يمارسه هذا العدو ليس مجرد احتلال أو نزاع حدود، بل هو مشروع تخريبي ممتد، يستهدف الإنسان قبل الحجر، والعقول قبل الأوطان. يزرع الفتن، ويغذي الانقسامات، ويدعم كل ما من شأنه إضعاف الدول وتمزيق نسيجها الداخلي، وكأن بقاءه مرهون بانهيار الآخرين. لا يتردد في استخدام كل الوسائل، من القوة العسكرية الغاشمة، إلى الحرب النفسية والإعلامية، إلى محاولات خنق الاقتصادات وإرباك الاستقرار.
ومصر، بقيمتها وموقعها وتاريخها، لم تكن يومًا بعيدة عن هذا الاستهداف. فهي القلب الذي إذا نبض قويًّا أعاد للأمة توازنها، وإذا تعثر سقطت معه حسابات كثيرة. لذلك ظلت محاولات الضغط عليها مستمرة، بأشكال مختلفة، مباشرة وغير مباشرة، عبر إشعال الأزمات في محيطها، ومحاولة استنزافها اقتصاديًا، وتشويه دورها، والسعي الدائم لإضعاف تأثيرها الإقليمي. لكن ما لم يدركه هذا العدو، أن مصر لم تكن يومًا دولة عابرة في التاريخ، بل هي حضارة متجذرة، وجيشها عقيدة، وشعبها حين يُختبر يتحول إلى جدار لا يُكسر.
إن الوجه الحقيقي لهذا العدو لا يظهر فقط في ميادين القتال، بل في كل سلوك يعكس غياب الضمير: في استهداف الأبرياء، في قتل الأطفال، في تدمير المدارس والمستشفيات، في انتهاك كل القوانين الدولية دون أدنى شعور بالمسؤولية. هو كيان يتقن تزييف الصورة، فيظهر أمام العالم بثوب الضحية، بينما يده تقطر دمًا في الخفاء والعلن.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذا العدو ليس قوته، بل محاولته المستمرة لإعادة تشكيل الوعي، لتصبح الجرائم أمرًا عاديًا، ويُمحى الفرق بين الجلاد والضحية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن نظل واعين، أن نحفظ الذاكرة، أن نُعلّم أبناءنا الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُروى.
إن الثأر الذي نتحدث عنه ليس دعوة للغضب الأعمى، بل هو التزام أخلاقي وتاريخي بأن الدم لا يُنسى، وأن الحق لا يُباع، وأن الأوطان لا تُختزل في لحظة ضعف. هو إيمان بأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت، وأن الشعوب التي تعرف عدوها جيدًا لا تُهزم مهما طال الزمن.
سيبقى هذا الصراع شاهدًا على معركة بين حق وباطل، بين إنسانية تُذبح، ووحشية تُبرر نفسها، لكن ما يبقى أيضًا هو يقين راسخ: أن مصر التي دفعت من دم أبنائها ثمنًا باهظًا، لن تُخنق، ولن تُكسر، ولن تُمحى من معادلة التاريخ، وأن كل محاولات النيل منها ستتحطم على صخرة إرادتها، كما تحطمت من قبل كل قوى حاولت أن تنال منها عبر العصور.
وهكذا، تظل الذاكرة حية، ويظل الحق قائمًا، ويظل الحساب مؤجلًا… لكنه آتٍ لا محالة.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy