
و.ش.ع الاسماعلية۔ حسين السمنودي
الخميس 07مايو 2026
في زمن أصبحت فيه الشاشة أقرب إلى الناس من الكتاب، وأسرع وصولًا من المعلم، وأشد تأثيرًا من كثير من المنابر، صار الخطر الحقيقي ليس في مشاهدة الأفلام نفسها، بل في تصديقها على أنها حقيقة كاملة، أو اعتبارها مصدرًا للتاريخ والدين والوعي والثقافة. فكم من إنسان بنى فكرته عن أمةٍ كاملة من مشهد سينمائي، وكم من شاب أخذ معلوماته الدينية من مسلسل، وكم من طفل تشكل وعيه على أكاذيب مكررة قُدمت له في صورة بطولة أو دراما أو كوميديا.
الأفلام في الأصل عمل فني، هدفه الإثارة والتشويق وجذب المشاهد وتحقيق الأرباح، وليست كتابًا تاريخيًا موثقًا، ولا مرجعًا دينيًا معتمدًا، ولا شهادة علمية دقيقة. لكن المشكلة الكبرى أن كثيرًا من الناس يتعاملون مع ما يشاهدونه وكأنه حقيقة مطلقة، دون بحث أو مراجعة أو تفكير، فيتحول الخيال إلى يقين، والمبالغة إلى حقيقة، والكذب المتكرر إلى ثقافة عامة.
كم من الأفلام شوّهت شخصيات تاريخية عظيمة، وقدمت الخونة على أنهم أبطال، وجعلت الأبطال الحقيقيين مجرد شخصيات هامشية أو متطرفة أو ساذجة. وكم من الوقائع التاريخية تم قلبها بالكامل لتناسب رؤية الكاتب أو المنتج أو الجهة الممولة. فالتاريخ في كثير من الأعمال الفنية لا يُكتب كما حدث، بل كما يريد صناع العمل أن يراه الناس. لذلك تجد أحيانًا دولة مهزومة تُصوَّر على أنها منتصرة، ومجرمًا يُقدَّم في صورة إنسان مظلوم، ومستعمرًا يُظهرونه صاحب حضارة ورحمة، بينما يُصوَّر أهل الأرض وأصحاب الحق كأنهم متخلفون أو همجيون.
أما الكارثة الأكبر فهي حين تمتد هذه المغالطات إلى الدين والعقيدة. فبعض الأفلام والمسلسلات تتعامل مع الدين باعتباره مجرد مادة درامية قابلة للتحريف والتغيير من أجل الإثارة. فتجد أحكامًا شرعية تُعرض بشكل خاطئ، وشخصيات متدينة تُقدَّم دائمًا بصورة الجهل أو النفاق أو العنف، بينما يُصوَّر الانحلال وكأنه حرية، والفساد على أنه تطور، والتمرد على القيم باعتباره شجاعة وتحضرًا. وهكذا، وبالتدريج، يتم تغيير المفاهيم داخل العقول دون أن يشعر الناس.
بل إن بعض الأعمال أصبحت تزرع الشك في الثوابت، وتسخر من القيم، وتستخف بالمقدسات بصورة ناعمة وخبيثة، حتى يعتاد المشاهد على رؤية الخطأ وكأنه أمر طبيعي. وهذا أخطر أنواع التأثير، لأن الهجوم المباشر قد يرفضه الناس، أما الهجوم المغلف بالضحك والدراما والعاطفة فيدخل إلى العقول بسهولة.
ومن أخطر ما تفعله بعض الأفلام أيضًا أنها تعيد تشكيل صورة المجتمع والأسرة والرجولة والمرأة والحب والزواج والحياة نفسها. فكم من شاب ظن أن الرجولة هي البلطجة والقسوة بسبب ما يراه على الشاشة، وكم من فتاة تصورت أن السعادة لا تأتي إلا عبر حياة وهمية مليئة بالمظاهر والخيانة والعلاقات الفارغة. لقد تحولت بعض الأعمال الفنية إلى مصانع لإنتاج الوهم، حتى صار كثير من الناس يقارنون حياتهم الطبيعية بحياة خيالية مكتوبة بإضاءة وموسيقى وتمثيل وإخراج، فيشعرون بالنقص والسخط على واقعهم.
ولا يعني هذا أن كل الأفلام سيئة أو أن الفن كله فاسد، فالفن قد يكون وسيلة عظيمة للتثقيف وبناء الوعي وإحياء القيم والبطولات، لكن المشكلة حين يتحول إلى أداة لتزييف العقول وتشويه الحقائق. فهناك فرق بين الفن الذي يحترم عقل المشاهد، والفن الذي يتلاعب به. وهناك فرق بين عمل درامي يقدم رؤية إنسانية راقية، وبين عمل هدفه فقط إثارة الغرائز أو قلب الحقائق أو نشر الأفكار المسمومة.
ولذلك فإن الواجب على الإنسان العاقل ألا يجعل الشاشة هي المصدر الوحيد لمعرفة دينه أو تاريخه أو وعيه. فالدين يؤخذ من العلماء الثقات والكتب الصحيحة، والتاريخ يؤخذ من المصادر الموثوقة والشهادات الحقيقية، لا من ممثل يحفظ دورًا، ولا من كاتب يسعى للإثارة، ولا من منتج يبحث عن الربح ولو على حساب الحقيقة.
إن الأمم التي تفقد وعيها يسهل قيادتها بالخداع، وأخطر أنواع الخداع هو ذلك الذي يدخل إلى البيوت في صورة تسلية. فليست كل قصة تُعرض حقيقة، وليست كل دمعة على الشاشة صدقًا، وليست كل بطولة تمثيلًا للواقع. فخلف الكاميرات توجد مصالح وأفكار ورسائل تُزرع بعناية، ومن لا يقرأ ويفكر ويبحث سيصبح عقله مجرد شاشة أخرى يُعرض عليها ما يريده الآخرون.
ولهذا يجب أن نُعلِّم أبناءنا منذ الصغر أن يشاهدوا بعقولهم لا بأعينهم فقط، وأن يسألوا دائمًا: هل ما نراه حقيقي؟ من كتب هذه القصة؟ ولماذا قُدمت بهذه الصورة؟ وما الرسالة المخفية خلف هذا العمل؟ فالسؤال بداية الوعي، والوعي هو السلاح الوحيد الذي يحمي الإنسان من أن يُسرق تاريخه أو يُشوَّه دينه أو يُعاد تشكيل عقله دون أن يشعر.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس أن تُهزم بالسلاح، بل أن تُهزم في وعيها وعقول أبنائها. فحين يصبح التاريخ مجرد مشاهد سينمائية، والدين مجرد حوار درامي، والحقيقة مجرد وجهة نظر يكتبها مؤلف أو يوجهها منتج، فإن الإنسان يفقد قدرته على التمييز بين الحق والباطل، وبين الواقع والتمثيل، وبين الحقيقة والوهم. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن تزييف الوعي أخطر من احتلال الأرض، فالأرض يمكن تحريرها، أما العقل إذا تم تضليله لسنوات طويلة فقد يتحول بنفسه إلى أداة ضد أمته ودينه وقيمه دون أن يشعر.
لقد أصبحت كثير من الأعمال الفنية اليوم تصنع أجيالًا ترى العالم كما تريده الكاميرا، لا كما هو في الحقيقة. أجيال تحفظ أسماء الممثلين أكثر من العلماء والقادة الحقيقيين، وتبكي على شخصيات خيالية بينما لا تعرف شيئًا عن أبطال تاريخها الحقيقيين، وتتعلم الحب والخيانة والرجولة والحياة من نصوص مكتوبة لأجل الإثارة والمشاهدات لا لأجل التربية والوعي. وهذا التحول الخطير جعل البعض يعيشون داخل أوهام صنعتها الشاشات حتى فقدوا القدرة على رؤية الواقع كما هو.
إن الأمة التي لا تقرأ تاريخها الحقيقي، سيكتبه لها الآخرون كما يريدون. والأمة التي لا تتعلم دينها من مصادره الصحيحة، سيأتي من يشوهه لها باسم الفن أو الحرية أو التنوير. ولذلك فإن مسؤولية حماية الوعي لا تقع على فرد واحد، بل على الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام وكل صاحب عقل حي. فلابد أن يعود الناس إلى القراءة، وإلى البحث، وإلى التحقق، وألا يجعلوا الفيلم أو المسلسل هو المرجع النهائي لفهم الماضي أو تفسير الدين أو تشكيل القيم.
وليس المطلوب أن نقاطع الفن أو نحارب الدراما، بل المطلوب أن نُحسن المشاهدة، وأن نفهم أن ما يُعرض على الشاشة قد يحمل جزءًا من الحقيقة، لكنه كثيرًا ما يُضاف إليه الكذب والمبالغة والتحريف والتوجيه المقصود. فالفن حين يكون شريفًا يصبح نورًا وثقافة ورسالة، أما حين يتحول إلى أداة لتزييف العقول فإنه يصبح خطرًا ناعمًا يتسلل إلى البيوت دون ضجيج، لكنه يترك أثره العميق في الأفكار والأخلاق والانتماء.
إن العقول الواعية لا تُقاد بسهولة، ولهذا تحاول كثير من الجهات السيطرة على وعي الشعوب عبر الصورة والكلمة والمشهد والموسيقى والعاطفة، لأنهم يعلمون أن من يملك تشكيل العقل يملك المستقبل. ولذلك فإن أعظم معركة في هذا العصر ليست فقط معركة سلاح أو اقتصاد، بل معركة وعي وإدراك وحقيقة. ومن ينتصر فيها ليس الأقوى جسدًا، بل الأقدر على حماية عقله من التضليل.
فلا تجعل فيلمًا يحدد لك من هو البطل ومن هو الخائن، ولا تجعل مسلسلًا يشرح لك دينك أو يختصر لك تاريخ أمتك، ولا تسمح للشاشة أن تصبح البديل عن التفكير والقراءة والمعرفة. شاهد، لكن بعقل. واستمتع، لكن بوعي. واسأل دائمًا: من المستفيد من هذه الصورة؟ ولماذا تُعرض بهذه الطريقة؟ لأن الإنسان حين يفقد قدرته على السؤال، يصبح سهل التوجيه والانقياد.
وسيظل التاريخ الحقيقي محفوظًا مهما حاول البعض تزويره، وسيظل الدين ثابتًا مهما حاولت الأعمال المشوهة العبث به، لأن الحقيقة لا تموت، لكنها تحتاج إلى من يبحث عنها بعقل صادق وقلب واعٍ. أما الأمم التي تحرس وعيها، فهي وحدها القادرة على حماية مستقبلها، وصناعة أجيال تعرف من تكون، ومن أين جاءت، وإلى أين يجب أن تسير.

Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *