
و.ش.ع الاسماعلية ۔ حسين السمنودي
الاحد 03 مايو 2026
في مشهد بسيط لكنه مليء بالدلالات، كان هذا الطفل موجودًا بالأمس داخل مكتب بريد مدينة الصالحية الجديدة، جالسًا فوق المكتب في مكان يبدو رسميًا ومنظمًا، وكأنه لا يدرك أو لا يهتم بكل تلك القواعد غير المكتوبة التي تحكم الكبار. يمد قدميه بكل عفوية، يستند بيده إلى رأسه، وينظر بنظرة تجمع بين الشرود والتركيز، وكأنه في عالمه الخاص بعيدًا عن ضجيج الواقع من حوله.
هذه اللقطة تختصر معنى البراءة في أنقى صورها؛ فالطفل لا يرى في المكتب “هيبة” ولا في المكان “قوانين”، بل يراه مجرد مساحة يجلس عليها ويرتاح. لا توجد حسابات، لا يوجد خوف من نظرات الآخرين، ولا محاولة لإرضاء أحد. فقط تصرف فطري نابع من إحساس داخلي بالراحة والأمان.
البراءة هنا ليست فقط في ملامحه الصغيرة، بل في طريقته في التعامل مع المكان. هو لا يتعمد كسر القواعد، بل ببساطة لا يعرفها بعد، أو لا يراها بنفس التعقيد الذي يراها به الكبار. بالنسبة له، العالم مكان مفتوح للتجربة، وليس مجموعة من “الممنوعات”.
وفي وسط هذا المشهد المنظم—الجدران النظيفة، الزجاج، الأرقام، والترتيب—يأتي وجود هذا الطفل كلمسة إنسانية دافئة، تذكرنا أن الحياة ليست فقط نظامًا والتزامًا، بل فيها مساحة للعفوية والبساطة.
ربما أجمل ما في الصورة أنها تجعلنا نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا: متى فقدنا هذه البساطة؟ ومتى أصبحنا نقيس كل تصرف بميزان “الصح والغلط” قبل أن نشعر به؟
هذا الطفل لم يفعل شيئًا استثنائيًا، لكنه بطريقته البسيطة أعاد تعريف المكان… وجعل من مكتب رسمي لحظة إنسانية صادقة مليئة بالبراءة.

Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *