وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

Header
collapse
الرئيسية / مــقالات / كريم جوهر… حين يُحارَب الإبداع في وطنٍ يستحق الجمال

كريم جوهر… حين يُحارَب الإبداع في وطنٍ يستحق الجمال

أبريل 12, 2026  Mohamed Abd Elzaher 157 views
كريم جوهر… حين يُحارَب الإبداع في وطنٍ يستحق الجمال

و۔ش۔ع      القاهرة -  حسين السمنودي

الاحد 12 ابريل 2026

في كل زمانٍ ومكان، كانت الأمم تُقاس بقدرتها على احتضان الموهبة، لا خنقها… على رفع أصحاب القيمة، لا إقصائهم. لكن حين تختل الموازين، ويُصبح الطريق إلى القمة مفروشًا بالمحسوبيات والعلاقات، لا بالكفاءة والموهبة، فهنا تبدأ الحكاية المؤلمة…

 حكاية الطابور الخامس الذي لا يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكنه أخطر من أي عدو خارجي، لأنه يهدم من الداخل، ويطعن في قلب الوطن.


ومن بين هذه الحكايات التي تثير الحزن والتساؤل، تبرز قصة الفنان الموهوب كريم جوهر، عازف البيانو الذي لم يكن مجرد موسيقي عابر، بل حالة فنية خاصة، وروح مبدعة تنطق أنامله بالجمال، وتترجم مفاتيح البيانو إلى لغة إحساس لا يجيدها إلا القلائل. 

كان مشروع نجم عالمي، يحمل بين ضلوعه موهبة حقيقية قادرة على تمثيل مصر في أكبر المحافل الفنية.


لكن، وبكل أسف، لم يكن الطريق أمامه مفروشًا بالورود، بل بالعقبات… ولم يكن التقدير في انتظاره، بل المنع والتجاهل.


قرار منع حفلاته داخل الأوبرا المصرية لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل كان صدمة لكل من يعرف قيمة الفن الحقيقي.

 كيف يُمنع فنان بهذه القيمة؟ 

وكيف تُغلق الأبواب في وجه موهبة بهذا النقاء؟ 

ومن المستفيد من إقصاء المبدعين وفتح المجال لغيرهم ممن لا يحملون نفس العمق ولا نفس الرسالة؟


هنا يبرز السؤال الأهم: هل أصبح الإبداع تهمة؟ 

وهل صار النجاح الحقيقي خطرًا يجب القضاء عليه؟


ما يحدث ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لواقع مرير تعيشه قطاعات عديدة، حيث تتحكم العلاقات الشخصية، والمصالح الضيقة، في مصير الموهوبين.

 فتُمنح الفرص لمن يجيدون طرق الأبواب الخلفية، بينما يُحارب من يطرقون أبواب المجد بموهبتهم فقط.


إن الطابور الخامس في صورته الحديثة لم يعد جاسوسًا تقليديًا، بل أصبح شبكة من المصالح التي تعيق كل من يحاول أن يضيف قيمة حقيقية.

 هو ذلك الصوت الخفي الذي يقول: “لا تلمع أكثر من اللازم”… “لا تتفوق”… “ابقَ في الظل، أو سنُطفئ نورك”.


وهنا تكمن الكارثة.  
فالوطن الذي لا يحتضن نوابغه، يُهدر مستقبله بيديه. والمجتمع الذي يهمّش المبدعين، يفتح الباب أمام الرداءة لتتصدر المشهد. وعندما يُحارب فنان بحجم وإحساس كريم جوهر، فإن الرسالة التي تصل لكل موهوب شاب هي: “موهبتك وحدها لا تكفي”.


وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث.


لأن الأمم لا تنهض إلا بسواعد مبدعيها، ولا تتقدم إلا بعقول مفكريها، ولا تخلد إلا بفنانيها الحقيقيين الذين يكتبون تاريخها بلغة الجمال.


إن ما يحدث مع كريم جوهر ليس مجرد أزمة فردية، بل هو مرآة تعكس خللًا أعمق… خللًا يحتاج إلى وقفة صادقة، ومراجعة حقيقية، وإعادة ترتيب للأولويات، حتى يعود الميزان إلى نصابه، ويُعطى كل ذي حق حقه.  
ولأن الكلمة مسؤولية، ولأن الصمت في حضرة الظلم تواطؤ، فإن هذه السطور ليست مجرد مقال…

 بل رسالة مفتوحة، صادقة، تحمل وجع المبدعين، وتطرق أبواب المسؤولين:  
إلى السيد رئيس الجمهورية…  
إلى وزارة الثقافة…  
إلى كل القائمين على المشهد الفني في مصر…  
إن مصر التي أنجبت عمالقة الفن والإبداع، لا يليق بها أن تُقصي أبناءها الموهوبين، ولا أن تُغلق مسارحها في وجه من يحملون رايتها بصدق. 

إن الفن ليس ترفًا، بل هو قوة ناعمة، وسلاح حضاري، ومرآة تعكس وجه الوطن الحقيقي أمام العالم.


إننا لا نطلب امتيازًا، ولا نسعى لمجاملة، بل نطالب بالعدل… نطالب بأن يكون المعيار هو الموهبة، لا العلاقات… الإبداع، لا الوساطة… القيمة، لا المصالح.  
أعيدوا النظر… افتحوا الأبواب… أنصفوا من يستحق…


فكم من موهبة ماتت في صمت، وكم من عبقرية هاجرت لأنها لم تجد من يحتضنها.


إن التاريخ لا ينسى، والأوطان لا تُقاس بما تملكه من مبانٍ شاهقة أو مؤسسات عريقة، بل بما تحمله في داخلها من عدالة وإنصاف. 

سيأتي يوم تُسأل فيه الأجيال القادمة: لماذا تركتم الموهبة تُذبح على أعتاب المصالح؟ 

ولماذا سمحتم للرداءة أن تتصدر المشهد بينما كان الإبداع يُحاصر ويُقصى؟  
إن إعادة الاعتبار لكريم جوهر اليوم ليست فقط إنصافًا لفنان، بل هي إعلان صريح بأن الدولة تحترم عقول أبنائها، وتقدّر قيمة الفن الحقيقي، وترفض أن تكون الساحة مرتعًا لمن لا يستحق. إنها رسالة أمل لكل شاب موهوب يقف الآن على مفترق الطرق، يتساءل: هل أكمل الطريق أم أتراجع؟


فإما أن نقول له: “تقدم… هذا وطنك وسيحميك”،أو نتركه فريسة للإحباط، فينطفئ قبل أن يضيء.


إن المسؤولية اليوم عظيمة، واللحظة فارقة، والقرار ليس إداريًا فقط، بل أخلاقي وتاريخي… إما أن ننحاز للحق والجمال، أو نترك الباب مفتوحًا لمزيد من الإقصاء والتهميش.


دعوا الأوبرا تعود منبرًا حقيقيًا للفن الراقي، لا ساحة مغلقة إلا لمن يحمل مفاتيح العلاقات. دعوا الجمهور يحكم، ودعوا الموهبة تتحدث، فالفن الصادق لا يحتاج إلى وساطة ليصل، بل يحتاج فقط إلى فرصة عادلة.


إننا لا نطلب المستحيل… بل نطالب بأن تعود الأمور إلى طبيعتها، وأن يُعاد الاعتبار لقيمة طالما كانت عنوانًا لمصر عبر تاريخها: العدل في تقدير الموهبة.  
فإن ضاعت هذه القيمة، ضاع معها كل شيء…


وإن عادت، عادت معها روح الوطن.  
ولعل هذه الكلمات تصل…  
ولعل القرار يُراجع…  
ولعل البيانو يعزف من جديد… لا فقط بأنامل كريم جوهر، بل بأنامل وطنٍ قرر أخيرًا أن ينصف أبناءه.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy