
و.ش.ع القاهرة ۔ حسين السمنودي
الاربعاء 15 ابريل 2026
ليست كل اللحظات سواء… فهناك لحظات تمر على الإنسان كأنها نسمة عابرة، وهناك لحظات تُعيد تشكيل روحه من جديد، تهز أعماقه هزًا، وتكشف له ما كان عنه غافلًا. ومن أعظم تلك اللحظات وأشدها وقعًا، تلك اللحظة الأولى التي يُكشف فيها الحجاب، حين تتبدل الرؤية، وتتغير الحقيقة، ويقف الإنسان وجهاً لوجه أمام ما لم يره من قبل.
هي لحظة ليست من زمن الدنيا، ولا تشبه قوانينها، لحظة تتوقف فيها المقاييس، وتخفت فيها أصوات البشر، ويعلو فيها صوت الحق وحده. هناك… حين يبدأ البصر الحقيقي، لا بصر العيون، بل بصر القلوب وقد تجردت من كل غشاوة.
في تلك اللحظة، يدرك الإنسان أن ما كان يراه في الدنيا لم يكن إلا ظلالاً باهتة لحقيقة أكبر، وأن ما كان ينكره أو يغفل عنه، صار الآن أوضح من الشمس في كبد السماء. يرى ما لم يخطر له على بال، ويُدرك ما لم يكن يتصوره عقل، وكأن الستار الذي طالما حجب عنه الرؤية قد انزاح دفعة واحدة.
وهنا… تبدأ القصة.
حين يقترب الأجل، لا يكون الأمر فجأة كما يظن الكثيرون، بل هو انتقال هادئ في ظاهره، عظيم في باطنه. تتلاشى ضوضاء الدنيا، وتخفت الأصوات، ويشعر الإنسان بشيء غريب لم يعهده من قبل، كأن روحه تُنادى من مكان بعيد… أو قريب جدًا.
وفي تلك اللحظة، يظهر القادمون من عالم آخر… وجوه لا تُرى بالعين المعتادة، وهيبة لا تُوصف بالكلمات. ليسوا من البشر، وليس حضورهم كحضور أي مخلوق عرفه الإنسان في حياته. سكون يسبقهم، ووقار يحيط بهم، ورسالة لا تحتاج إلى كلام.
يتقدم ملك الموت، ليس كما تصوره الخيال المرعب، بل كما أراد الله له أن يكون: مخلوق يؤدي أمرًا لا يملك أن يتجاوزه، ولا أن يؤخره أو يقدمه. لا ظلم في حضوره، ولا قسوة في مهمته، بل عدلٌ مطلق، وتنفيذٌ لأمرٍ كُتب منذ أن وُجد الإنسان.
وفي تلك اللحظة، يرى الإنسان الحقيقة التي طالما سمع عنها ولم يعشها… يرى مصيره يتجلى أمامه، ويرى أثر عمله وقد تجسد، لا كلمات تُقال، بل مشاهد تُرى، وإحساس يغمره من داخله.
من كان قلبه عامرًا بالإيمان، شعر بسكينة غريبة، وكأن تلك اللحظة ليست نهاية، بل بداية لرحلة كان ينتظرها دون أن يدري. يرى الوجوه المطمئنة، ويسمع ما يطمئن روحه، ويشعر بأن الرحيل ليس فقدًا، بل لقاء.
أما من غرق في الغفلة، وتاه في زحام الدنيا، فإن اللحظة عليه تكون ثقيلة، كأن الجبال قد وُضعت فوق صدره، يرى ما كان يُنكر، ويُدرك ما كان يؤجله، ولكن بعد أن صار الرجوع مستحيلاً.
وهنا تتجلى أعظم مفارقة… أن الحقيقة لم تتغير، بل الذي تغير هو بصر الإنسان بها.
إن رفع الحجاب ليس مجرد كشف للمجهول، بل هو كشف للنفس أيضًا، مواجهة صريحة مع كل ما أخفاه الإنسان، وكل ما تجاهله، وكل ما ظن أنه قد نُسي. فلا مال ينفع، ولا جاه يُنقذ، ولا أصوات تُسمع… وحده العمل يقف شاهدًا، إما له أو عليه.
إنها لحظة لا كذب فيها، ولا تزييف، لحظة يسقط فيها كل قناع، وتظهر فيها الحقيقة كما هي، بلا تجميل ولا نقصان.
ولعل أعظم ما في هذه اللحظة، أنها تُعيد ترتيب كل شيء… تُصغر ما كان كبيرًا، وتُكبر ما كان يُستهان به. كلمة طيبة قد تُنير طريقًا، ونظرة رحمة قد تُثقل ميزانًا، ودمعة صادقة قد تكون النجاة.
وهكذا… يقف الإنسان بين عالمين، قد ترك أحدهما، ولم يدخل الآخر بعد، لكنه في تلك اللحظة القصيرة، يرى ما يكفي ليعلم أن الحياة لم تكن عبثًا، وأن كل شيء كان محسوبًا بدقة، حتى ما ظنه صغيرًا أو غير ذي قيمة.
إنها لحظة الحقيقة… لحظة رفع الحجاب… اللحظة التي لا تُشبهها لحظة، والتي لو أدركها الإنسان قبل أن تأتي، لتغيرت حياته كلها.
وفي ختام هذه الرحلة التي تقف عند أخطر مفترق في عمر الإنسان… تتجلى الصورة كاملة، لا لبس فيها ولا غموض، ويظهر الفرق جليًا بين القلوب كما كانت في الدنيا، ولكن بعد أن زال كل ستر، وسقط كل ادعاء.
فأما المؤمن… ذاك الذي عاش بقلبٍ معلّقٍ بالله، وإن تعثّر أحيانًا، وإن أذنب أحيانًا، لكنه كان كلما سقط نهض، وكلما أخطأ استغفر، وكلما ضاقت به الدنيا قال: “حسبنا الله”… فهذا حين تُرفع عنه الحجب، لا يفاجأ، بل كأنه يعرف الطريق. يجد السكينة تسبقه، والرحمة تحتضنه، والطمأنينة تملأ روحه، وكأن تلك اللحظة ليست نهاية عمر، بل بداية كرامة. يرى وجوهًا بيضاء مشرقة، ويسمع ما يشرح صدره، ويُبشّر بما أعد الله له، فيعلم أن ما صبر عليه في الدنيا لم يضع سدى، وأن كل دمعة خفية، وكل دعاء في جوف الليل، كان محفوظًا عند ربٍ لا ينسى.
وأما الكافر… الذي أنكر وجحد واستكبر، ورأى آيات الله ثم أعرض، وعاش كأن لا لقاء ولا حساب… فهذا حين يُكشف عنه الحجاب، تكون الصدمة أعظم من أن تُوصف. يرى ما كان يُكذّب به، ويُدرك ما كان يسخر منه، ولكن بعد أن أُغلقت أبواب الرجوع. تتبدل ملامح القوة التي كان يتبجح بها إلى ذلٍ وانكسار، ويقف وحيدًا أمام مصيرٍ لا مهرب منه، فيعلم أن الله كان عادلًا حين أمهله، وأنه هو من اختار طريق الجحود حتى نهايته.
وأما المسلم العاصي… فقصته هي الأكثر وجعًا والأشد تعقيدًا. هو لم يُنكر، ولم يجحد، لكنه تساهل، وأجّل، وغلبته شهواته، وركن إلى طول الأمل. فإذا جاءت لحظة رفع الحجاب، تزلزل قلبه، ورأى تقصيره واضحًا كالشمس، وندم على كل صلاة ضيّعها، وكل حقٍ فرّط فيه، وكل لحظة غفل فيها عن ربه. لكنه، رغم هذا الألم، لا يفقد الرجاء… لأنه يعرف ربًا غفورًا رحيمًا. تتنازعه مشاعر الخوف والرجاء، ويقف بين عدل الله الذي لا يُظلم عنده أحد، ورحمة الله التي وسعت كل شيء، فيكون أمره إلى الله… إن شاء عذّبه بقدر ذنبه، وإن شاء غفر له بفضل رحمته، وربك لا يُخلف وعده لعباده المؤمنين.
وأما من تساوت حسناته وسيئاته… فتلك لحظة من أدق اللحظات وأشدها رهبة. يقف صاحبها على الحد الفاصل، لا هو إلى النجاة المطلقة، ولا هو إلى الهلاك المحتم. يرى أعماله تتقابل، وكأنها ميزان دقيق لا يميل إلا بأمر الله. تتعلق روحه بأدنى حسنة ترجّح كفته، وينتظر رحمة قد تأتيه من حيث لا يحتسب: دعوة صادقة، أو شفاعة مقبولة، أو فضل من رب كريم لا يضيع عنده مثقال ذرة. وهنا تتجلى رحمة الله في أبهى صورها، حين يُنقذ من شاء بفضله، ويُدخل الجنة من كان على شفا حفرة، ليثبت أن رحمته سبقت غضبه.
وهكذا… بين هذه الأحوال جميعًا، يظهر ميزان الله قائمًا على العدل المطلق، فلا يُظلم أحد، ولا يُحاسب إنسان إلا بما قدّم، ولا يُؤخذ عبد بجريرة غيره. ومع هذا العدل، تتنزل الرحمة كغيثٍ يحيي القلوب، فتغفر الذنوب، وتمحو الزلات، وتفتح أبوابًا لم تكن تُحسب.
إلا الكفر… فإنه الجدار الذي يحجب صاحبه عن هذه الرحمة، لأنه اختيار واعٍ للبعد، وإصرار على الإنكار حتى آخر لحظة، فكان الجزاء من جنس العمل.
إنها نهاية تكشف كل شيء… وتُعيد تعريف كل شيء… وتُثبت أن الله لم يظلم أحدًا، وأن الطريق كان واضحًا منذ البداية، ولكن القلوب هي التي اختارت كيف تسير.
فيا من تقرأ الآن… تذكّر أن تلك اللحظة آتية لا محالة، وأن الحجاب سيُرفع يومًا، فاختر لنفسك من الآن: أي الوجوه تريد أن ترى؟ وأي المصير ترجوه؟
فالفرصة ما زالت قائمة… والباب لم يُغلق بعد… والله أرحم بك من نفسك، فعد إليه قبل أن تُرفع الحجب، ويصبح الندم بلا جدوى.


Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *