
و.ش.ع متابعة ۔ فاتن عبد الظاهر
الاحد 03 مايو 2026
تمكن فريق من مراقبي الطيور من تحقيق رصد استثنائي لطائر قبرة الأدغال الصدئة، الذي يُعرف أحيانا باسم قبرة الصدأ، والمعروف علميا بـ"كاليندولاودا روفا"، في موطنه الطبيعي وسط تشاد، بعدما شوهد بشكل مؤكد لآخر مرة منذ ما يقارب قرنا كاملا.
ظل هذا النوع من الطيور حتى الآن شديد الغموض وقليل الدراسة في منطقة الساحل في أفريقيا، وكان يعد مفقودا منذ توثيقه لأول مرة في أوائل ثلاثينات القرن الماضي، حتى سجل الباحثون أحد أفراده حيا مجددا لفترة مطولة، ووثقوه بالصور، ليقدموا أول دليل حي على وجوده منذ سنوات طويلة.
يتميز قبرة الصدأ عن غيره من القبرات بأن ذيله أطول نسبيا، ويخلو من الجوانب البيضاء (تيم وورفولك – مختبر كورنيل لعلم الطيور)
يعيش هذا الطائر في السافانا الجافة والمناطق شبه الصحراوية في إقليم الساحل الأفريقي، وينتشر أساسا في النيجر وتشاد والسودان، مع نطاقات محلية ضيقة لكل سلالة.
يقول أستاذ علوم الطيور بجامعة أوبسالا في السويد، بير ألستروم: "لا يُعرف الكثير عن الموائل المفضلة للقبرة الصدئة، لكن المراجع القديمة تشير إلى أنه يتواجد في مناطق الصخور الجرداء التي تتخللها شجيرات تنمو بين الصخور والرمال، وكذلك في مناطق غابات الكومبريتوم التي تغطي المرتفعات الحجرية في النيجر، وفي المناطق الصخرية ذات الغطاء النباتي الكثيف في تشاد، وفي الأراضي العشبية المفتوحة ذات الشجيرات في سهول غرب السودان".
ويضيف خبير القبرات الذي أكد صحة تعريف الطائر استنادا إلى خبرته ودراسته عينات متحفية وأنواع القبرات في البرية، في حديثه للجزيرة نت أن "أجزاء واسعة من موطنه يصعب الوصول إليها، وتتسم بعدم الاستقرار السياسي والحساسية الأمنية، مما يجعل العديد من مناطق الساحل نادرا ما يزورها مراقبو وعلماء الطيور وخبراء الحفاظ على البيئة، وهو ما يُرجّح أنه السبب الرئيسي لبقاء هذا النوع غير مُكتشف لفترة طويلة، وغموض وضعه الفعلي لعقود".
وُصف هذا النوع علميا لأول مرة عام 1920 على يد عالم الطيور البريطاني هوبرت لاينز، الذي جمع 6 عينات في دارفور الوسطى بالسودان. وعلى الرغم من امتداده الجغرافي المحتمل الواسع، ظل وضعه السكاني الفعلي غير معروف إلى حد كبير لعقود.
ويعود آخر توثيق معروف له إلى مايو/أيار 1931، عندما جمع عالم الطبيعة جورج لاتيمر بيتس عينات من منطقة تُعرف اليوم بالنيجر، وحدد موقعها باسم "تاوا شمال سوكوتو"، والذي يُعتقد أنه يطابق منطقة تاهوا الحالية في الساحل.
وقد أُدرج هذا النوع ضمن مشروع "البحث عن الطيور المفقودة". كما أُشير إلى صورة محتملة له التُقطت عام 2017 -أُعيد تقييمها لاحقا- أدت إلى عدم إدراج هذا النوع ضمن الإصدارات الأولى من "قائمة الطيور المفقودة" التي تتتبع أنواع الطيور التي لم تُصور أو تُسجل أو يُكشف عنها وراثيا لمدة لا تقل عن عقد من الزمن.
وبعد نحو 95 عاما من آخر تسجيل مؤكد، حقق عالما الطيور الفرنسيان بيير ديفو دو راو من المكتب الفرنسي للتنوع البيولوجي، وجوليان بيرار من معهد تور دو فاليه البحثي لحفظ الأراضي الرطبة المتوسطية في منطقة كامارغ بجنوب فرنسا، بالتعاون مع خبير الحفاظ على البيئة التشادي إدريس دابسيا من مديرية الحياة البرية والمناطق المحمية في تشاد، إنجازا تاريخيا، عندما رصدوا فردا من هذا النوع داخل محمية أبو تلفان للحياة البرية، على بُعد نحو 10 كيلومترات شرق مدينة مونغو في وسط جنوب تشاد.
وجاءت إعادة الاكتشاف في إطار مشروع "ريسورس" الذي تنسقه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ويُمول بشكل مشترك من الاتحاد الأوروبي وصندوق البيئة العالمي الفرنسي.
وتُظهر الملاحظات الميدانية البيئة الطبيعية التي رُصد فيها هذا الطائر، ضمن نطاقه البيئي في السافانا الجافة، وهو ما يضيف معطيات جديدة مهمة لفهم توزيعه وبيئته الطبيعية.
نشر الباحثون ملاحظاتهم على منصة إي بيرد، مدعمة بوصف تفصيلي وصور موثوقة لفرد حي من هذا النوع لأول مرة في التاريخ، ليتأكد -لأول مرة منذ عقود- أنه لم ينقرض.
وأشاروا في قائمتهم إلى عدد من السمات المميزة، منها ذيل طويل ذو ريش خارجي بلون كستنائي داكن مع درجات محمرة، وأرجل رمادية بنية، وعينان بنيتان مائلتان إلى الحمرة، ومنقار نحيل ثنائي اللون (فاتح في جزئه السفلي وداكن على حافة الفك العلوي)، مشيرين إلى أن الطائر يمتلك حاجبا ضيقا بلون كستنائي باهت، وريش أذني مائل إلى الحمرة مع تخطيط داكن، إضافة إلى ظهر محمر ذي مظهر حرشفي.
ويتميز قبرة الصدأ عن غيره من طيور القبرة الصغيرة الأخرى ضمن نطاق انتشارها بأن ذيله أطول نسبيا، ويخلو من الجوانب البيضاء، ويختلف عن قبرة الرفرفة المشابه، الذي يُعرف علميا باسم أميرافرا روفوسيناموميا، بكون أجزائه العلوية متغيرة، لكنها في الغالب ذات لون أحمر صدئي، وأجزائه السفلية كستنائية باهتة لا تميل إلى الحمرة.
ويتراوح طول جسم قبرة الأدغال الصدئة بين 13 و15 سنتيمترا، ما يجعله أصغر قليلا من قبرة السماء أو قنبرة الغيط، المعروف علميا باسم ألاؤودا أرفنسِس (Alauda arvensis)، المنتشر في أوروبا الوسطى. ويصعب تمييز الذكور عن الإناث ظاهريا، باستثناء أن الإناث أصغر حجما قليلا. أما اليافع، فيكون أفتح لونا في الأجزاء العلوية مع خطوط أكثر وضوحا.
ويشير ألستروم إلى أن النوعين الأكثر احتمالا للخلط بينهما، وهما قبرة كوردوفان "ميرافرا كوردوفانيكا" وقبرة الأدغال المغردة "ميرافرا جافانيكا"، يتميزان بنقوش أكثر تباينا في الجزء العلوي من جسمهما مقارنةً بقبرة الصدأ، كما أن ذيلهما أقصر نسبيا مع ريش خارجي أبيض، بينما ريش الذيل الخارجي داكن بالكامل في قبرة الصدأ.
وكان قبرة الصدأ، إلى جانب قبرة جيليت "كاليندولاودا جيليت"، يصنف سابقا ضمن جنس "ميرافرا". إلا أن الدراسات الجينية أظهرت عدم ارتباطه الوثيق ببقية أنواع هذا الجنس، مما أدى إلى نقله إلى جنس "كاليندولاودا".
ويتغذى هذا الطائر أساسا على الحشرات والمفصليات الأخرى والبذور. ولا تزال معلومات التكاثر محدودة للغاية، ولم يُوصف العش أو البيض حتى الآن. كما أن بيانات صوته غير معروفة، إذ لم يُوثق أي نداء صوتي حتى خلال إعادة اكتشافه مؤخرا. ويُقال إن الذكر يطلق أغنية أثناء عروضه الجوية التي يهبط خلالها بشكل حاد إلى الأرض أو إلى قمم الأشجار.
على الرغم من غياب التسجيلات لعقود، لم يُصنف قبرة الصدأ رسميا كنوع منقرض. وهذه الحالة تظهر حقيقة أن غياب الرصد لا يعني بالضرورة الانقراض، إذ قد تكون أنواع مفقودة أخرى لا تزال باقية، خاصة في المناطق غير المدروسة بشكل كافٍ.
كما أُدرج هذا النوع ضمن قائمة الطيور المفقودة التي تُدار ضمن مشروع "البحث عن الطيور المفقودة"، لكنه ظل مدرجا في "القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة" ضمن فئة "أقل اهتماما". ويُعزى ذلك أساسا إلى اتساع نطاق انتشاره الذي يُقدر بنحو 47 مليون هكتار، وهو نطاق لا يزال معظمه قليل التغطية والدراسة من قبل المختصين.
ويوضح ألستروم أن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة يتوخى حذرا شديدا في تصنيف الأنواع على أنها منقرضة، طالما توجد احتمالات لبقائها في أماكن لم تُجرَ عليها دراسات كافية، كما هو الحال مع المناطق التي عُرف فيها قبرة الصدأ.
ولا يستوفي هذا النوع معايير التهديد المتعلقة بالمساحة أو حجم التعداد أو اتجاهه. وعلى الرغم من عدم تحديد العدد العالمي للأفراد بدقة، يُعتقد أن هذا الطائر شائع محليا في بعض مناطق انتشاره، لكنه نادر إجمالا.
ووفقا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، لا توجد حاليا دلائل على تراجع طويل الأمد في أعداده أو تهديدات خطيرة، خاصة أن موائله الطبيعية يُحتمل أنها لم تشهد تغيرات كبيرة.
وتظهر هذه المعطيات أن قبرة الصدأ تظل من الأنواع التي لم تُدرس بشكل كاف، سواء من حيث سلوكها البيئي أو ديناميكياتها السكانية، مما يبرز الحاجة إلى مزيد من الأبحاث الميدانية الدقيقة لفهم التنوع البيولوجي العالمي، خاصة في وقت يتسبب فيه النشاط البشري في موجات انقراض جماعي للكائنات الحية.

Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *