وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

Header
collapse
الرئيسية / مــقالات / جيش “الأخلاق” في مرآة الدم… من سيناء إلى كل أرضٍ وطئتها أقدامهم

جيش “الأخلاق” في مرآة الدم… من سيناء إلى كل أرضٍ وطئتها أقدامهم

أبريل 19, 2026  Mohamed Abd Elzaher 186 views
جيش “الأخلاق” في مرآة الدم… من سيناء إلى كل أرضٍ وطئتها أقدامهم

و۔ش۔ع              القاهرة  ۔ حسين السمنودي

الاحد 19 ابرايل 2026  

حين خرج إسحاق رابين رئيس وزراء الكيان المغتصب ليتحدث يوما بثقة عن “جيش يتمتع بحس إنساني وقيم أخلاقية”، لم يكن يدرك – أو ربما كان يدرك ويتجاهل – أن التاريخ لا يُمحى بالتصريحات، وأن الدم لا تجف صفحاته مهما طال الزمن. فالكلمات التي قيلت في لحظة غرور، اصطدمت بحقائق دامغة، سُطّرت على أرض الواقع منذ نشأة الكيان الصهيوني وحتى يومنا هذا.
لنبدأ من حيث كانت الصدمة الأولى الكبرى… من حرب 1967، حيث لم تكن الهزيمة مجرد خسارة عسكرية، بل كانت جرحًا مفتوحًا كُشف فيه وجه لا يعرف رحمة. في سيناء، لم تقتصر المواجهات على قتال بين جيوش، بل شهدت شهادات موثقة عن قتل أسرى ودفن جنود أحياء، في مشاهد تناقض تمامًا أي حديث عن “قيم إنسانية”. هناك، تحت رمال الصحراء، لم تُدفن أجساد فقط… بل دُفنت معها ادعاءات الأخلاق.
لكن من يظن أن الأمر كان استثناءً، عليه أن يعود قليلًا إلى الوراء… إلى ما قبل قيام هذا الكيان ذاته. ففي مجزرة دير ياسين، قُتل المدنيون بدم بارد، نساءً وأطفالًا، في واحدة من أبشع الجرائم التي مهدت لزرع الرعب وتهجير السكان. لم تكن معركة… بل كانت رسالة دموية مفادها: “ارحلوا أو تلقوا نفس المصير”.
وفي نفس العام، جاءت مجزرة الطنطورة لتؤكد أن الدم لم يكن حادثًا عرضيًا، بل منهجًا. قرى بأكملها أُفرغت من أهلها، وارتكبت مجازر جماعية لا تزال آثارها شاهدة حتى اليوم، رغم محاولات الإنكار والتزييف.
ثم ننتقل إلى حرب 1956، حيث وقعت مجزرة كفر قاسم، والتي قُتل فيها عشرات المدنيين العزل لمجرد أنهم لم يعلموا بقرار حظر التجول. أي منطق أخلاقي هذا الذي يبرر قتل إنسان لأنه تأخر دقائق عن العودة إلى منزله؟!
ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد… ففي حرب 1982، وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا، حيث ذُبح المدنيون في المخيمات وسط صمتٍ مريب، بل وتواطؤ مكشوف. أطفال ونساء وشيوخ قُتلوا بلا ذنب، بينما العالم يراقب، والقاتل لا يزال يتحدث عن “أخلاق الجيش”.
أما في العقود الأخيرة، فقد أصبحت قطاع غزة شاهدًا يوميًا على هذا التناقض الصارخ. حروب متكررة، قصف للأحياء السكنية، استهداف للبنية التحتية، وسقوط آلاف المدنيين بين قتيل وجريح. أي “حس إنساني” هذا الذي لا يميز بين طفل يحمل لعبته، ومقاتل يحمل سلاحه؟!
إننا أمام مشهد عبثي بكل المقاييس…
جيشٌ يقتل، ثم يُنظّر للأخلاق.
يدٌ تضغط على الزناد، وأخرى ترفع شعار الإنسانية.
وصوتٌ يبرر الجريمة، ثم يطالب العالم بالتصفيق!
السخرية هنا ليست مجرد أسلوب… بل هي أقل رد ممكن على هذا التناقض الفج. فحين يصبح القتل سياسة، والتبرير ثقافة، والتزييف منهجًا، يصبح الحديث عن الأخلاق نوعًا من الكوميديا السوداء.
إن التاريخ لا يُقرأ من كتب الدعاية، بل من شواهد الأرض وصرخات الضحايا. ومن يتتبع مسار هذا الكيان منذ نشأته، يدرك أن ما يُقال عن “جيش أخلاقي” ليس سوى قناع هش، يسقط مع أول اختبار حقيقي.
وإذا حاولنا أن نبحث عن “أخلاق” في سجلٍ كُتب بالدم، فإننا لا نفتش عن حقيقة بقدر ما نواجه وهمًا صُنع بعناية ليخدع العيون ويخدر الضمائر. إن ما يُروَّج له تحت مسمى “الأخلاق” ليس سوى غطاء هش لواقعٍ مختلف تمامًا، واقعٍ تشهد عليه الأرض قبل البشر، وترويه الحجارة قبل الكلمات.
إن أخلاقيات تُبنى على القصف لا تُسمى أخلاقًا… بل قوة عارية من القيم.
وأخلاقيات تُقاس بعدد الضحايا لا تُعد إنسانية… بل سقوطًا مدويًا في ميزان الإنسانية.
وأخلاقيات تُفرض بالسلاح لا تُقنع عقلًا… بل تفرض خوفًا، والخوف لا يصنع حقًا ولا يبني حضارة.
لقد أثبتت التجارب، قديمًا وحديثًا، أن منطق القوة حين ينفصل عن الضمير، يتحول إلى طغيان، وأن من يبرر أفعاله مهما كانت قاسية، يفقد تدريجيًا القدرة على التمييز بين ما هو إنساني وما هو وحشي. فالأخلاق ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، ولا بيانات تُصاغ أمام الكاميرات، بل هي سلوكٌ ثابت يظهر وقت الشدة قبل الرخاء، ويُختبر في لحظات القدرة لا في لحظات الضعف.
وإذا نظرنا إلى الصورة الأشمل، سنجد أن القضية لم تعد مجرد صراع على أرض، بل صراع على المعنى نفسه… معنى العدالة، معنى الرحمة، معنى الإنسان. حين يُقتل المدني ويُبرر قتله، وحين يُحاصر الجائع ويُقال إن ذلك “دفاع عن النفس”، فإننا لا نكون أمام خلل في السياسة فقط، بل أمام خلل عميق في المفاهيم التي تُدار بها الحياة.
إن أخطر ما في هذه الرواية ليس ما حدث فقط، بل ما يُراد للعالم أن يصدقه. أن تتحول الضحية إلى متهم، وأن يُقدَّم المعتدي في صورة صاحب الحق، وأن يُعاد تعريف القيم بما يخدم القوة لا الحقيقة… هنا تكمن الكارثة الحقيقية. فحين تختلط المعايير، يصبح الظلم عاديًا، ويصبح الدفاع عن الحق استثناءً يحتاج إلى تبرير.
ومع ذلك، فإن التاريخ – بكل ما فيه من آلام – يحمل درسًا لا يتغير: أن الظلم، مهما طال، لا يتحول إلى حق، وأن الدم، مهما جف، يظل شاهدًا لا يمكن إنكاره. قد تتبدل الروايات، وقد تختلف وجهات النظر، لكن الحقيقة تظل ثابتة في جوهرها: أن إنسانية الإنسان لا تُقاس بانتمائه، ولا بقوته، بل بقدرته على حفظ كرامة غيره، حتى في أوقات الصراع.
إن العالم اليوم أمام اختبار حقيقي… ليس فقط في إدانة الأفعال، بل في الحفاظ على المعايير نفسها. فإما أن تكون القيم عالمية تُطبق على الجميع دون استثناء، أو تتحول إلى أدوات انتقائية تفقد معناها تدريجيًا. والسكوت عن التناقض لا يحل المشكلة، بل يوسعها، ويجعلها أكثر تعقيدًا في المستقبل.
وفي النهاية، لا يبقى إلا ما هو حقيقي…
لا تبقى الشعارات، ولا البيانات، ولا محاولات التجميل…
بل تبقى الأفعال، وتبقى آثارها، وتبقى الذاكرة.
ولهذا، فإن أي حديث عن الأخلاق لا بد أن يبدأ من الاعتراف بالحقيقة، لا الهروب منها… ومن مراجعة الذات، لا تبريرها… ومن احترام الإنسان كقيمة مطلقة، لا كوسيلة في معادلة صراع.
فالأخلاق لا تُكتب بالبيانات… بل تُكتب بالفعل.
وإن كُتبت يومًا بالدم، فلن تكون أخلاقًا… بل ستكون شاهد إدانة لا يسقط، مهما حاول البعض أن يطويه بالنسيان.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy