
و.ش.ع
العراق - دكتور :صالح العطوان الحيالي
الاربعاء 18 مارس 2026
في ليلةٍ هادئة من ليالي الصحراء، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا مع أصحابه، والسكينة تملأ المكان. لكن ما إن مضت ساعات من الليل حتى انتبه الصحابة إلى أمرٍ أقلق قلوبهم… لقد اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم!
نظر بعضهم إلى بعض بقلق، ثم قالوا: أين ذهب رسول الله؟
خرجوا مسرعين يبحثون عنه في الأودية والشعاب، يتفقدون كل طريقٍ وممر. وكلما طال البحث ازداد خوفهم.
قال بعضهم: لعل الجن قد اختطفته!
وقال آخرون:
بل ربما اغتاله عدو في ظلام الليل!
ومضت تلك الليلة عليهم كأنها أطول ليلة في حياتهم، مليئة بالقلق والحزن، فلم يذوقوا طعم النوم، فقد كان حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أن يترك قلوبهم تهدأ وهو غائب عنهم.
ومع أول خيوط الفجر… لمحوا من بعيد رجلاً مقبلاً من جهة جبل حراء.
اقتربت الصورة شيئًا فشيئًا… حتى أدركوا الحقيقة.
إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم
تهللت وجوههم وفرحوا فرحًا عظيمًا، وأسرعوا إليه يقولون بلهفة:
يا رسول الله، لقد فقدناك طوال الليل! بحثنا عنك في كل مكان، وخفنا عليك خوفًا شديدًا.فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم بالخبر العجيب، فقال:
«أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن».
لقد جاء رسولٌ من الجن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغهم رسالة الله، فذهب إليهم وقرأ عليهم القرآن الكريم، فاستمعوا له بخشوع، وآمن كثير منهم بما سمعوا.
ثم أخذهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى المكان الذي حدث فيه ذلك اللقاء العجيب، فرأوا آثار أقدام الجن، ورأوا أيضًا آثار النيران التي كانوا يوقدونها.
وهكذا أدرك الصحابة أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن للبشر فقط…
بل كانت رسالة للعالمين:
للإنس والجن معًا.
وقد ذكر الله هذا الحدث في القرآن الكريم فقال تعالى:
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ…﴾
[الأحقاف: 29]
إنها قصة عظيمة تذكرنا بأن القرآن هدىً لكل الخلق، وأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بلغت الإنس والجن جميعًا.
وفيها أيضًا درسٌ عظيم عن حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وخوفهم عليه، وعن عناية الله بحفظ نبيه.


Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *