
و.ش.ع
متابعه/ جيهان حسن
كان في بني إسرائيل رجلٌ ثريٌّ يملك مالًا كثيرًا، وقد بلغ من الكِبَر عتيًّا، وكان له أبناءُ أخٍ يطمعون في موته طمعًا في أن يرثوا ما لديه من مالٍ وثروة.
وقد اشتدّت بهم الرغبة في ذلك حتى تجرّأ أحدهم على ارتكاب جريمة عظيمة؛ إذ عمد إلى عمّه في جنح الليل فقتله غدرًا، ثم حمل جثته وألقاها في موضعٍ يجتمع فيه الناس، وقيل: بل طرحه عند باب أحدهم؛ ليُلبِس الأمر ويُوقِع التهمة بغيره.
فلما أصبح الناس وظهر أمر القتيل، اضطربوا واختلفوا، واشتدّ بينهم النزاع والخصام، وجاء ابن أخيه –وهو القاتل– يُظهِر الحزن والأسى، ويصرخ متظلّمًا كأنّه يطلب القصاص، يخادع الناس ويخفي جريمته. فقال بعضهم لبعض: كيف تختلفون وتتنازعون، ونبيُّ الله موسى عليه السلام بين أظهركم؟! فهلا رجعتم إليه ليحكم بينكم؟
فذهب ابن الأخ إلى نبي الله موسى عليه السلام، فشكا إليه أمر عمّه، وطلب معرفة قاتله. فقال موسى عليه السلام مخاطبًا قومه ومستنشدًا إياهم بالله: «أنشد الله رجلًا عنده علمٌ من أمر هذا القتيل إلا أخبرنا به»، أي: من كان يعلم شيئًا فليُظهِره ولا يكتمه. ولكن لم يكن عند أحدٍ منهم علمٌ بحقيقة الأمر، فسألوه أن يدعو ربّه ليبيّن لهم من القاتل.
فسأل موسى عليه السلام ربّه عز وجل في هذه القضية، فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة. فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فاستغربوا هذا الأمر، وتعجّبوا منه، وقالوا مستنكرين: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، أي: أتهزأ بنا ونحن نسألك عن قاتل هذا الرجل، فتأمرنا بذبح بقرة؟!
فأجابهم موسى عليه السلام بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، أي: أستنكر على نفسي أن أقول عن الله ما لم يوحِ به إليّ، أو أن أتكلم بغير علم، فهذا الذي أخبرتكم به إنما هو وحيٌ من الله جوابًا لسؤالكم.
وقد نقل جماعة من أهل العلم، كابن عباس ومجاهد وغيرهم، أنهم لو بادروا إلى ذبح أي بقرةٍ كانت، لكفى ذلك وحصل المقصود، ولكنهم شدّدوا على أنفسهم بالسؤال والتدقيق، فشدّد الله عليهم، فجعل الأمر أضيق وأصعب.
فقالوا يسألون عن صفة هذه البقرة، فأُجيبوا بأنها: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، أي: متوسطة العمر، ليست كبيرةً هرمة ولا صغيرةً فتية، بل بين ذلك. ومع هذا لم يكتفوا، بل عادوا يسألون عن لونها، فكان الجواب: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، أي: صفراء شديدة الصفرة، مائلة إلى الإشراق، تبهج من يراها لحسنها ونضارتها، وهو لونٌ نادر.
ثم لم يكتفوا بذلك أيضًا، بل قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾، أي: التبس علينا الأمر لكثرة البقر وتشابهها، ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. فجاءهم الجواب بصفاتٍ أدقّ وأضيق، فقال تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، أي: ليست مذلّلة للعمل في الحرث أو السقي، بل لم تُستعمَل في ذلك، وهي سليمة من العيوب، لا أثر فيها لغير لونها، فلا يخالط صفرتها لونٌ آخر.
فلما سمعوا هذه الأوصاف الدقيقة قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، أي: الآن اتّضح الأمر تمامًا. ومع ذلك، كانوا متثاقلين مترددين في تنفيذ الأمر، كما قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
ويُذكر أنهم لم يجدوا بقرةً بهذه الصفات إلا عند رجلٍ بارٍّ بأبيه، فطلبوها منه، فامتنع في البداية، ثم ساوموه عليها حتى أعطوه ثمنًا عظيمًا، قيل: بوزنها ذهبًا، بل ضاعفوا له الثمن مراتٍ عديدة حتى رضي وباعها لهم.
فلما حصلوا على البقرة، أمرهم موسى عليه السلام بذبحها، فذبحوها بعد تردد، ثم أمرهم –بوحيٍ من الله– أن يضربوا القتيل بجزءٍ منها، وقيل: بلحم فخذها، أو بعظمٍ منها، أو بقطعةٍ بين كتفيها.
فلما فعلوا ذلك، وقعت المعجزة العظيمة، إذ أحيا الله ذلك القتيل، فقام حيًّا والدم يسيل من عروقه، فسأله موسى عليه السلام: من قتلك؟ فقال بوضوح: قتلني ابن أخي. ثم مات مرةً أخرى كما كان.
فأظهر الله بذلك القاتل، وبيّن الحق، وجعل في هذه الحادثة آيةً عظيمة على قدرته، فقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي: كما رأيتم بأعينكم إحياء هذا القتيل بأمر الله، فكذلك يحيي الله جميع الموتى يوم القيامة إذا شاء، في لحظةٍ واحدة، بلا عجزٍ ولا تأخّر، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
المصدر:
كتاب البداية و النهاية للإمام ابن كثير ت التركي جـ 2 صـ 169.


Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *