
و.ش.ع متابعة ۔ محمد عبد الظاهر
الخميس 30أبرايل 2026
تفيد تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفق ما نقلته مجلة "فورين بوليسي"، بأن جزءًا وازنًا من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال داخل منشأة أصفهان، في تعارض واضح مع الرواية الأميركية التي تحدثت عن "تدمير شبه كامل" للبرنامج النووي.
وهذا المعطى يعيد طرح تساؤلات حول مدى فعالية الضربات العسكرية وحدود قدرتها على حسم النزاعات ذات الطابع النووي.
وبحسب ما أوردته المجلة، تمتلك إيران نحو 972 رطلاً من اليورانيوم عالي التخصيب موزعة على عدة مواقع داخل البلاد.
في المقابل، رجّح مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن ما يقارب نصف هذه الكمية لا يزال موجودًا داخل مجمع أصفهان، رغم تعرّضه للاستهداف ضمن الضربات الأميركية التي جاءت بعد أيام من الحرب بين إسرائيل وإيران.
تتفيد المعطيات التي أوردتها مجلة "فورين بوليسي" بأن 18 حاوية زرقاء يُعتقد أنها تحتوي على نحو 440 رطلاً من اليورانيوم المخصّب بنسبة تصل إلى 60%، أي عند مستوى قريب من الاستخدام العسكري، أُدخلت إلى نفق داخل منشأة أصفهان في 9 حزيران 2025، وذلك قبل أربعة أيام فقط من اندلاع الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران.
وبعد أقل من أسبوعين، نفّذت الولايات المتحدة ضربات استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية، من بينها أصفهان، في إطار مسعى لإضعاف البرنامج النووي.
إلا أن صور الأقمار الصناعية، بحسب ما نقل عن غروسي، لم تُظهر أي دليل على نقل هذه المواد أو تدميرها، ما يعزز فرضية بقائها داخل الموقع.
وأشار غروسي إلى أن الوكالة "لم تتمكن من التحقق ميدانيًا" من وضع هذه المواد، نتيجة توقف عمليات التفتيش منذ تنفيذ الضربات، ما يجعل التقديرات الحالية مبنية على أفضل المعطيات المتاحة، لا على تحقق فعلي. هذا الغياب للرقابة يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، من بينها احتفاظ إيران بقدرتها التقنية على مواصلة تطوير برنامجها النووي بوتيرة سريعة.
بحسب فورين بوليسي، لا يقتصر أثر هذا الغموض على البعد الفني، بل يمتد مباشرة إلى المسار السياسي والعسكري، حيث يشكّل البرنامج النووي جوهر الخلاف بين واشنطن وطهران.
فالضربات الأميركية في فبراير جاءت مدفوعة بشكل أساسي بمحاولة كبح هذا البرنامج، إلا أن استمرار وجود مخزون مخصب بهذا الحجم يعيد طرح تساؤلات حول مدى تحقيق تلك الأهداف.
في المقابل، تواصل إيران التأكيد أن برنامجها مخصص للأغراض المدنية، مع تمسكها بحق تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها. غير أن الولايات المتحدة تشترط قيودًا صارمة، تشمل التزامًا بعدم تطوير سلاح نووي، كجزء أساسي من أي اتفاق محتمل.
وفي تطور لافت، أشارت المجلة إلى أن طهران عرضت إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تأجيل المحادثات النووية ورفع الحصار البحري، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض هذا الطرح، معتبرًا أن الأولوية تبقى لمعالجة الملف النووي.
تزامنًا مع هذا الجمود، تواجه إدارة ترامب ضغوطًا داخلية متزايدة، خصوصًا مع ارتفاع كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
وخلال جلسة استماع أمام الكونغرس، تعرّض وزير الدفاع بيت هيغسيث لانتقادات حادة من مشرعين ديمقراطيين اتهموه بتضليل الرأي العام بشأن أسباب الحرب.
وركّزت الانتقادات على تأثير الصراع في ارتفاع أسعار الطاقة، حيث لامس خام برنت مستوى 120 دولارًا للبرميل.
كما كشفت بيانات وزارة الدفاع أن تكلفة الحرب بلغت نحو 25 مليار دولار، ذهب معظمها إلى تمويل الذخائر والعمليات العسكرية، في مؤشر على حجم الاستنزاف المالي المتسارع.
في المقابل، دافع هيغسيث عن سياسات الإدارة، معتبرًا أن الانتقادات السياسية تمثل التحدي الأكبر، وليس المعطيات العسكرية، مؤكدًا الحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الصاروخي.
لا يأتي هذا التصعيد بمعزل عن سياق دولي أكثر تعقيدًا، إذ رصدت فورين بوليسي تزايد الأزمات المتزامنة التي تعكس هشاشة النظام العالمي.
في مالي، تصاعدت هجمات جماعات متمردة؛ ما دفع فرنسا إلى دعوة رعاياها للمغادرة، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديًا أمنيًّا غير مسبوق منذ 2021، مع انسحاب قوات من مواقع إستراتيجية.
وفي كوريا الجنوبية، قضت محكمة استئناف بسجن الرئيس السابق يون سوك يول سبع سنوات، في تطور يعكس أزمة سياسية داخلية عميقة مرتبطة بإساءة استخدام السلطة.
أما في أوروبا، فتسعى الحكومة المجرية الجديدة إلى استعادة نحو 10 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي المجمدة، عبر تنفيذ إصلاحات مؤسسية تتعلق بالفساد واستقلال القضاء.
تَخلص "فورين بوليسي" إلى أن بقاء مخزون اليورانيوم الإيراني دون تحقق ميداني دقيق لا يمثل مجرد تفصيل تقني، بل عامل حاسم في إعادة تشكيل معادلة الصراع.
هذا الغموض يحدّ من قدرة واشنطن على إعلان نجاح إستراتيجيتها العسكرية، ويمنح طهران هامشًا تفاوضيًّا أوسع، في وقت تتقاطع فيه هذه المعطيات مع ضغوط اقتصادية عالمية، أبرزها تقلبات أسعار الطاقة وتكاليف الحرب.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الصراع لم يعد يدور فقط حول تدمير القدرات، بل حول القدرة على التحقق منها، وهو عامل قد يكون الأكثر تأثيرًا في تحديد مآلات المرحلة المقبلة.

Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *